هذا كتاب في اللسانيّات! وعنوانه كما ظهر في لغته الأصلية "لسانيّات الكذب". وهذا وجه من وجوه التجديد التي يتضمّنها الكتاب. فقد تخلّى عن نقد الكذب وذمّه والتغنّي بمحاسن الصدق ومدحه وابتعد عن وجهة النّظر الاخلاقية أو الدينية-الفلسفيّة في تناول الكذب.
هذا كتاب عبقري، وترجمته رائقة إنه من الكتب التي يستلذ بقراءة كل سطر فيه، لعبقرية المزج بين النصوص الدينية والفلسفية ومبادئ اللسانيات في صياغة آسرة وذكية في واحدة من عباراته المجنونة يقول فاينرش، ص٧٠ : "وإن لم نكن عبيد الكلمات فلأنّنا أسياد النصوص" ما أجمل هذا الجنون ما أسعدنا بالقراءة
كتاب في علم اللسانيات لا يتناول فيه الكاتب الكذب من الناحية الأخلاقية و الدينية او الفلسفية بل يتطرق إلى مسألة الكذب من الناحية اللغوية .
يركز الكاتب في طرح موضوعه على دراسته للحضارتين اللاتينية و اليونانية و من الآداب المعاصرة الإنجليزية و الفرنسية و الإيطالية و الألمانية ، و نلاحظ غياب الشرق من مراجع مؤلف الكتاب .
إلا أن جهدا عظيما قام به المترجم أثرى به الكتاب سواء في مقدمته المميزة أو في هوامش الكتاب .
عادة ما تكون كتب اللسانيات صعبة القراءة يغلب عليها جانب الجمود لكن قراءة هذا الكتاب كانت ممتعة و مثرية و أعتقد أنه يمكنني التصريح بأنه متوسط الصعوبة و لعل سبب ذلك بالإضافة إلى جهد الكاتب هي الترجمة المميزة . لا تجيب كتب اللسانيات على الأسألة التي تطرح بشكل قاطع لكن الأسألة بحد ذاتها بين هذه الصفحات كانت مثيرة و شهية جدا .
نشر هذا الكتاب سابقا عام ١٩٦٤ باسم : لسانيات الكذب ثم أعيدت طباعته بعد ٣٥ عاما في هذه النسخة و قد أضاف إليه الكاتب ملحقا به بعض الملاحظات حول بعض الأفكار التي ناقشها سابقا .
#الكتاب_الرابع اللغة والكذب هرالد فاينرش تر؛ عبد الرزاق بنور دار كنوز المعرفة، عمان ط١، ٢٠١٥م. أصل العنوان من مترجمه (لسانيات الكذب) (linguistik derlüge)، ولا أعلم لماذا غيّر المترجم هذا العنوان وأسماه اللغة والكذب والتي تعني بالألمانية (Sprache und Lügen)، كما أنّه أضاف إضافات كثيرة للكتاب، جعلته يترهل ويحمّل المؤلف فاينرش ما لايقصده صراحةً. وكأنّك تقرأ كتابين. ففي الصفحة العاشرة، يقول فاينرش: (الكذب موجود في الكون وهو موجود فينا ومن حولنا) غير أنّ المترجم يعترض على هذه العبارة ويصوّب للمؤلف، إذ قال: وكان يفترض أن يقول: (إن الكذب موجود في اللغة ولد من رحمها كما تولد الدودة داخل الفاكهة، وقد واكب الكذب اللغة فوجد حيث وجدت اللغة البشرية ومتى وجدت) وفي هذا التصويب نظر، وهو مخالف لحقيقة اللغة، فاللغة بأصل وضعها لم تكُ أداةً للكذب، فكل كلمة وضعت أزاء معنى حقيقي له مصداق في الواقع أو يحيل على شيء في الذهن بحسب تعبير أوغدن وريتشرد، وإنما يقع الكذب والتمويه والتضليل في استعمال اللغة، أي هو صفة المتكلم أو المستعمل للغة وليس ذنب اللغة، ويعود المترجم مناقضًا نفسه بأنه أورد عبارة في الصفحة الخامسة عشر مفادها أن الذنب ليس ذنب اللغة؛ لأنها أداة تخضع ككل أداة لمآرب مستعمليها! فاللغة لاتحمل الخداع، بل ألسنة البشر ملأى بالخداع، على حدّ تعبير ويليام شكسبير. وقد ورد مايناقض زعم المترجم في الصفحة الرابعة والتسعين من الكتاب نفسه، إذ قال ( لا نستطيع التحدث الإ عن الكذب ونحن ننسبه للكاذب باعتباره خطيئة أخلاقية). فكيف ولد الكذب من رحم اللغة إذن! وبالمجمل يحاول فاينرش معالجة الكذب يوصفه ممارسة لغوية، ويعالجه معالجة لغوية تختلف عن تناول الفلاسفة والمناطقة. هذا ما أكد عليه مرارا، غير أنّ معالجته جاءت سطحية بل لم تستحق تسمية المعالجة أصلًا، فهو استعرض الكذب بوصفه أسلوبا يلجأ إليه المتكلم في ظروف ومناسبات معيّنة. يعود في شرحه إلى النظريات الدلالية (علم الدلالة) وحده، وهذا طبيعي جدا، فالكتاب مؤلف في العام 1966م. فكانت نظريات المعنى البارزة حينها نظريات دلالية بالعموم. وقد لجأ في بعض الأحيان إلى علم دلالة النصوص. وأخيرًا رأيي في الكتاب يكون بوصفه ردًّا على زعم المترجم حين بدأ الكتاب بعبارة: (إن هذا الكتاب في اللسانيات!). فأقول، هو استعان (قليلًا) باللسانيات بوصفها أداة معالجة، وبشكل أقل باللغة بوصفها أداة الكذب، وعليه لايستحق أن نقول إنه في اللسانيات!
هرالد فاينرش: عالم لغويّ، عمل أستاذا للغات الرومانسية بباريس. تولد 1927، ألماني الأصل.
يقول فاينريش أن أول من طرح الكذب كقضية للتفكير الفلسفي و اللاهوتي هو أوغسطينوس، و هو أول من نظر إلى الكذب باعتباره ظاهرة لغوية، فقال: اللغة لم توهب البشر كي يستعملوها في خداع بعضهم البعض بل ليتقاسموا الأفكار. كما أن أول من أدخل مفهوم السخرية في العالم هو سقراط، و هذا لا يعني أن السخرية غير موجودة من قبل، إنما كتخصيص مصطلح و مفهوم لمعنى السخرية. حسنًا، الفكرة العامة للكتاب يلخّصها فاينريش فيقول: تدور الفكرة حول ما إذا كانت اللغة قادرة على إخفاء الأفكار، و كيف يحصل ذلك؟ و يركّز بالبحث في مسألة: استكشاف الكذب باعتباره ظاهرة لغويّة. فيغوص بنا فاينرش في محيطات اللغة ما بين الدلالة و التركيب و الكلمات المعزولة التي تكون غير مفهومة إلا إذا أُدخلت في جملة، فيكون لها معنى حسب السياق الذي تكون فيه. يستشهد المؤلف كثيرًا بالحوارات الموجودة في مسرحيّة فاوست، بل إن اسم غوته تراه يتردد معك منذ بداية الكتاب حتى نهايته، و لم يهمل العبارات العميقة حول اللغة التي تأصّلت في تاريخ اللغة و منها على سبيل المثال ما قاله فولتير: النقص متأصّل في كل لغة، كما أن النقص يتأصّل في كل البشر. و العبارة التي أشبه ما تكون بنظرية أساسية في اللغة والتي يقول فيها نيتشه: لو وضعنا اللغات الواحدة بجانب الأخرى، لتبيّن لنا أن الكلمات لا تصل إلى الحقيقة، و لا إلى التعبير الملائم، و إلا لما كان هناك أكثر من لغة! السؤال: هل هناك مطابقة بشكل تام بين الأفكار و الكلمات؟ أرى أنه من خلال هذا الكتاب ستعتقد تمامًا أنه لا يمكن أن تتطابق الكلمات، أو الجمل مع أفكار المرء، و بهذا الشأن يقول فاينرش: هناك اعتقاد شائع في الأوساط العلمية بأن الكلمات ليست سوى أقنعة سيئة للأفكار، رغم أن فاينرش حاول تفنيد هذه العبارة، إلا أنه لم يصل إلى إقناعي بما قدّمه، وربما أن الخلل في فهمي، لا أعلم! فعلى أيّ حال لطالما كان هذا التساؤل لدى كل شخص: ما الأول اللغة أم التفكير؟ فكثير من علماء اللغة قدموا إجاباتهم بعد دراسات مطوّلة، إلا أن هذا السؤال قديم متجدّد. وهناك سؤال آخر: هل نظرة شخص ليس لديه سوى لغته الأم، تكون متطابقة مع نظرة شخص لديه أكثر من لغة؟ كيف تؤثر اللغة على تفكيرك؟ هل إذا كانت حصيلتك اللغوية أوسع من شخص آخر، ستكون نظرتك للأمور، وطريقة تفكيرك مختلفة كثيرًا؟ ما زالت هذه الأسئلة محلّ بحث بالنسبة لي. و في هذا الكتاب كثير من الأجوبة.