هيا نعطي الكذب جزءاً أكبر من اهتمامنا، فما أطول الوقتالذي نقضيه من أجل حقائق بلهاء، كعدد القتلى في نشرة الأخبار، ونسبة السكان تحت خط الفقر، وكتاب العلوم الأجرب. الكذب هو أحمر الشفاه في وجه البنت، فستانها الذي يخفي عيوب جسدها، الكحل في عينيها الضيقتين، هو الصورة المعلقة على حائط تقشر طلائه، استقامة ظهرك حين ترى رئيسك في العمل،نظرة الثقة في عينيك أمام ضابط الشرطة وهو يرى بطاقتك، هو اللعبة الرخيصة الملونة في يد طفل، هو مباراة رديئة تتخللها مشاجرة يعلو بسببها صوت معلّق التليفزيون. الكذب إشارة مرور خضراء تجعل الحياة تمُر.
كيف تَمّ خداع "تشو تشو"؟
ارتقت سُلَّم الهواء أول الشهر كعادتها، وبصقت فييديها استعداداً للملاكمة التقليدية إذا ما وجدت الملاكالحارس مستيقظاً، لم تجده صاحياً أو نائماً فجلستفي انتظاره. لقد قررت أن تسرق جوربه حتى تخيطه له مرة في الشهر، لكنه لم يظهر هذه المرة، فنامت، نسيتما كانت تريد أن تفعله وصارت ملاكاً حارساً، تنتظرمن يسرق جوربها، بينما جاءنا هو بجوارب مثقوبة يرقصمن أول الشارع .
من أربع سنين تقريبا، كنت قاعد في الشغل، وفي الفترة إللي كنا فيها كفحتجية كلية الصبح وشغل بليل ٦ أيام فالأسبوع، وماكنش في وقت نعمل أي حاجة، خليت زميلة ليا تشتري لي كتاب "مزبلة الوعي الجمعي" لأدهم الصفتي، والراجل بصنعة لطافة كان موجود في مكان بيع الكتاب لحفلة توقيع، ومارداش ياخد الفلوس، وكتب لي إهداء أن لو الكتاب ماعجبنيش هيعزمني على أكلة كوارع، ولو عجبني هعزمه أنا.
الكتاب كان صغير، أخدته يومها قريته كله في الشغل، وجه صديق ليا خد الكتاب يبص عليه، وقرا منه صفحتين وعجبه. ورغم أني بحب كتبي إللي من النوعية دي، ومش بحب أديها لحد، بس الحكاية وقتها أن الكتاب بالنسبة لي في بيتي وتحت أيدي يعني ماطلعش برا، وقت ما هحتاجه هلاقيه. الغريب أن الدنيا لفيت ودارت والكتاب بقى بعيد عني، بعيد جدا، ومابقتش عارف أخده تاني، ولا أصور الإهداء اللي عايز أبعته لأدهم الصفتي عشان أعزمه على أكلة الكوارع، مش بس عشان الكتاب عجبني، إنما كمان عشان نبؤة الغريب إللي اتحققت وإللي هحكي له أن الكتاب ضاع، وأني واحشني أقرا الكتاب تاني.