رصد الكاتب السوري الفارس الذهبي في مسرحيته "زفرة السوري الأخيرة" منحنى الثورات العسكرية ومصائر الثوار الذين يحولون بلادهم إلى سجن كبير ويصبحون بدعوى الحفاظ على الثورة جلادين يحترفون القمع والقتل حتى لو ضحوا بالشعب نفسه. وتعالج المسرحية العلاقة بين جيلين أحدهما يمثله لواء عراقي مهزوم يهرب إلى سوريا عقب احتلال العراق عام 2003، وجيل شاب يؤمن بحريته وينتزعها ويرى أن انهيار نظام الدكتاتور يبدأ قبل وصول الغزاة حين يتحول الشعب الذي قامت الثورة من أجله إلى جرذان وخونة وعملاء وجواسيس، وفي أحسن الأحوال هم مجرد قطيع لا يستحق إلا الإهانة. ويمثل جيل الحرية في المسرحية الأخوان الجامعيان كمال، وريما التي ترفض الاحتلال الأجنبي بالطبع ولكنها تؤمن بكرامة الشعب، وأنه لا يوجد شيء في هذا العالم يبرر لأحد أن يدوس أحدا من أجل قضية، وأن الإنسان الذي يفقد كرامته أو يعذبه الجلادون حتى يفقد إحساسه بإنسانيته لا يصلح للدفاع عن قضية ولو كانت عادلة.
كان توفيق الحكيم هو أول كاتب مسرحي عربي يكتب لمسرح العبث في «يا طالع الشجرة»، ولم يعاود التجربة!، لا لإنه لم يلق لها أرضًا خصبة، ولكن لأنها – كما يقول أنيس منصور – وضعت انطباعًا بإن أي لخبطة في أي كلام وبأي شكل في الفن المسرحي، هو من المسرح اللامعقول!، مثلما قالوا بأن أي واحد ملخبط في مظهره ومبهدل في حياته الاجتماعية أصبح يسمّونه: وجودي
بينما السبب كما يذكره: كان من الممكن أن يشرع توفيق الحكيم في تأليف مسرحية (عبثية) جديدة لولا أن حادثا جديدا وقع له في فندق شبرد، فقد تقدم له أحد الشبان، وعندما امتدّت يد توفيق الحكيم تلتقط الأوراق التي كتبها هذا الشاب ويلتقط في نفس الوقت الكلمات المتعثرة التي خرجت من فم هذا الشاب وهو يقول: إنها مسرحية جديدة من تأليفي .. وهي مسرحية لا معقولة
وسأله الحكيم إن كان قد ألّف للمسرح قبل ذلك؟، وكان جواب الشاب بالرفض، وإن كان قد قرأ المسرح الإغريقي؟، أو المسرح الروماني؟، أو الحديث؟، أو درس النقد؟، أو تردد على المسارح؟، وكانت الإجابة كلها بالرفض
ووقف توفيق الحكيم وفي ذهوله المسرحي راح ينادي: حوش يا محمود .. شوف إيه ده؟
ولم يكن في فندق شبرد محمود يوسف سكرتيره الخاص، لينقذه من زحف اللامعقول .. ولكن توفيق الحكيم قرر ألا يكتب حرفًا لهذا المسرح اللامعقول بعد ذلك
ولكن يحسب لتوفيق الحكيم إنه لم يقرأ في نهاية المطاف مسرحية شاب فندق شبرد، بينما وقعت أنا في قراءة هذا العمل المنتسب – زورًا – إلى المسرح!، ويكفي إن كلمة (مسرحية) المكتوبة على الغلاف أسفل العنوان تراءت لي – بعد قراءة الكتاب - كإنها كلمة (مسخرية)، وهي كلمة كما تخيلتها أيضًا تعني - حسب التعريف الموسوعي: مسخٌ يدّعى البنوة لأبيه السيد العظيم (المسرح)، رغم إقرار كل نساب ونسابة على سطح هذه المعمورة بإنه لا يشبه أباه في شيء على الإطلاق وإنه غير متناسق الجسم ومشوه الأنف وأحول العين وذابل الوجه على عكس صفات والده الجسدية، إلا إن المسخ عادة يتمسك مصرًا - مع ذلك - بصحة دعواه في النسب
.
.
ولماذا تحظى أمثال هذه الكتب بأمثال هذه الأغلفة الجميلة، وبأمثال تلك العناوين أيضًا
أعتقد أن العمل أكثر من رائع ...فهو يجسد البنية التحليلية للهيراكلية الطبقية في نظامي البعث بين سوريا والعراق المقارنة التوامية بين النظامين تفتح المجال لنقد واسع اتضحت رؤيته في المسرحية أعتقد أنها تنتمي الى جيل فقدناه من المسرح السوري الكبير