قبل أن يؤسس المملكة العربية السعودية ويوحد أطرافها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، كانت المملكة مكوّنةً من أقاليم متفرقة وقبائل متناحرة، كثيرا ما يغير أحدها على الآخر لأغراض مختلفة (غنيمة، ثأر.. الخ).
بعد زوال الدولة السعودية الثانية، ظل عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (الملقب أحيانا بأوتو فون بسمارك العرب)، يتحين الفرص ويترقبها ليستعيد سؤدد أجداده على أراضي شبه الجزيرة العربية، حتى دخلها يوما بمعية ستين فارسا -طبقا لبعض الروايات-، وتمكن من إحكام قبضته على الرياض بعد أن هزم عجلان بن محمد، عامل ابن رشيد على الرياض. ومنها، شرع يوسع حدود مملكته المستقبلية، ويوحد قبائلها بالسياسة طورا وبالمراضاة طورا آخر، وبالمصاهرة في أحيان كثيرة أيضا. ففي لمحة تشير إلى استفادة الملك عبدالعزيز من سياسة النبي محمد في الزواج من انتماءات مختلفة لاستمالة الجميع، اعتمد هو أيضا السياسة نفسها -على ما يبدو-، ولكن بشكل أكبر بكثير، فتزوج من النساء عددًا ضخما ومن قبائل مختلفة ليعرب عن وده لجميع القبائل ورغبته في توحيدها، وأنجب من العيال أيضا عددا ضخما ورثهم مملكته ليحافظوا على وحدتها. وبعد رحيله -فون بسمارك العرب- عام 1953م، تولى شؤون المملكة ابنه الملك سعود.
في هذا الكتاب -الجميل جدا-، نجد مذكرات هوسيه أرنولد السويسري، الذي كان المشرف على ضيافة قصور الملك سعود في الفترة الممتدة بين 1956 وحتى 1962. وفيه، يقص علينا الكاتب كيف وصل إلى منصبه، من رحلة عابرة للملك سعود، أعد هو فيها طبقا نال إعجابه إلى أقصى حد، وكيف خدم الملك سعود لست سنوات تقريبا، وكيف أنهى خدمته وترك القصور. وبين هذا وذاك، نجد من الأحداث زخما كبيرا وجميلا ومثيرا للفضول: طبيعة الملك سعود، طبيعة الحاشية المحيطة به وكثرتها المهولة، وكيف كانت تؤثر عليه وعلى قراراته، علاقة الملك بزوجاته وعياله وإخوته، علاقته بالقضايا العربية والحكام، علاقته "بجمال عبدالناصر" خصوصا.. الخ.
الجدير بالذكر هو أن الملك سعود كان الملك الوحيد الذي تعرض للعزل من هذا المنصب من قبل مجلس العائلة الحاكمة عام 1964م، أي قبل رحيله بخمس سنوات تقريبا. وهذا الكتاب، إلى جانب أنه يشبع الفضول فيما سبق من الأمور ذكره، فهو أيضا يشبع الفضول نحو أسباب هذا العزل الذي تعرض الملك إليه. ففي هذا الكتاب، نستطيع أن نجد كيف كانت حاشية الملك سعود تنهب خزينة الدولة نهبا وتعرضها للإفلاس، دون أن يعلم هو شيئا (لأن الحاشية كانت تتعاون فيما بينها لتبقيه بعيدا عن الحقائق) حتى لم تعد العائلة الحاكمة تطيق صبرا، فعزلته وعينت أخاه الأمير فيصل ملكا على المملكة العربية السعودية.
واقعا، الكتاب رائع. وبقدر ما أنه يشبع الفضول في جوانب معينة، فهو يشعله أيضا في مواضع وجوانب أخرى لا تُحصى. فأثناء قراءة الكتاب، توقفت كثيرا وكثيرا لأقرأ عن أمر فلاني ذكره الكاتب في موضع ما، أو لأشاهد مجموعة من المقاطع والأفلام عن أمر أيضا ذكره الكاتب في موضع ما (كمقاطع زيارات الملك إلى أميركا أو استقباله للشاه أو جمال عبدالناصر).. الخ.
كان الكتاب جميلا جدا، وكذلك كانت الترجمة. استعدت شيئا من أملي وثقتي بالدار العربية للموسوعات، بعد أن خاب مع قراءتي منهم مذكرات الشاه محمد رضا بهلوي (ذلك الكتاب الذي كانت ترجمته أسوأ من سيئة).