صحيح أن التصور الذي جاءت به الخطابة الجديدة يجسد ثورة حقيقية في فهم العلاقة بين الإنسان والعالم وخطوة متقدمة في الكشف عن حقيقة التفاعل الذي يحدث بين الذوات المتواصلة عموماً، والمتفاعلة حجاجياً على وجه الخصوص، إلا أنه لم يصل مع ذلك إلى حد الوفاء بطموح ديكرو وأنسكومبر في ما يخص طبيعة العلاقة بين الوقائع والخطاب في سيرورة التفاعل الحجاجي، لأنهم سيعلنان – على الأقل في مرحلة محددة من تطور هذه النظرية – أن الأمر لا يقف عند حدود علاقة ما... فالبحث الفعلي في الحجاج بصورته التي تنعكس وتنطبع في الصياغة اللسانية للوقائع يكشف عن حقيقة أعمق من ذلك بكثير، وهي أن التمايز بين هذه الوقائع وصياغاتها اللسانية غير موجود أصلاً، لأن اللغة في مجملها ليست سوى ترجمة للوقائع في سياق حركية حجاجية متصلة، أو بعبارة أخرى تحويل حجاجي للوقائع. هذا الكتاب يحاول أن يقدم صورة كلية عن أهم قضايا هذا التوجه محاولاً ما أمكن الجمع بين المنحى التأريخي في عر ض سيرورة انبثاق ونمو هذه الأفكار وارتقائها عبر ما يزيد عن ثلاثة عقود، والتناول النسقي في عرض أهم المسائل والأطروحات التي دافع عنها رواده.
تناول الباحث في مقدمة كتابه ما نحدر منه توجه الحجاجيات اللسانية حيث يرجعه إلى أصلين اثنين: أحدهما النزعة التداولية في اللسانيات والثاني تمثله أعمال الخطابة الجديدة مع رائديها بيرلمان وتيتكا. ومن ثم يأتي على المراحل التي تحقق فيها استواء الحجاجيات اللسانية وهي خمس مراحل. أولها النظر إلى اللغة والحجاج بوصفهما منفصلين بصورة تامة. والثانية حصل فيها نوع من التفاعل مع الفلسفة التحليلية. ثم في المرحلة الثالثة بصدور كتاب (الحجاج داخل اللغة). وتأتي المرحلة الرابعة لترى في الجمل اللغوية مظاهر حركية حجاجية شاملة وأخيرا فيما يتعلق بفكرة وجود الحجاج داخل اللغة. وفي الباب الأول المبادئ النظرية والمنهجية للحجاجيات اللسانية تناول فيه الباحث نقد النزعة الصورية في الدراسات اللغوية حيث أكد فيه فرديناند دو سوسير في دروسه في اللسانيات العامة أن الوظيفة الأساسية للغة هي التواصل والتي تتحقق مع أقطاب المدرسة التحليلية ورائديها جون سورل وبول جرايس. من التداولية الملحقة إلى التداولية المدمجة جاءت نظرية الأفعال الكلامية الإنجلو ساكسونية ، حيث يميز أوستين بين مظاهر ثلاثة يتضمنها الفعل اللغوي وهي الفعل الكلامي والتكلمي والتكليمي. ويتضمن هذا المبحث على نظرية جديد في المعنى والدلالة وهذه الدراسة الجديدة تجعل من بنية اللغة ميدانا للكشف عن الآثار التلفظية التداولية. ومن ثم يتناول الحجاج بوصفه موضوعا للتداولية المدمجة حيث تتبنى إدماج الوقائع التداولية ضمن سيرورة الوصف الدلالي، يأتي بعدها ليبين أن الحجاج من الخارج إلى الداخل تحقق نتيجة أبحثا ودراسات متأنية. وفي هذا المبحث يتطرق إلى الحجاجيات اللسانية والبرنامج البنيوي السويسري .فهو يرى تأثيرها واضحا في الدراسات اللغوية خلال القرن العشرين. برنامج العمل في إطار الحجاجيات اللسانية حيث تجسد هدف الحجاجيات اللسانية في الأساس في القيام بإدماج مبحث الحجاج ضمن الدراسة اللغوية بصورة محكمة ويعلن فيه ديكرو قوله: سوف أصف بالعلم البحث الذي يحاول أثناء تفسيره للظواهر الملاحظة في الطبيعة أن يضع تمثيلا مصطنعا للكيفية التي تنتج بها هذه الظواهر. ويتطرق كذلك للفرضيات الداخلية والفرضيات الخارجية . فالخارجية للتداوليات المدمجة فقد قام ديكرو وأنسكومبر بتعيين الوقائع الجديدة التي ستنصب عليها الملاحظة من خلال الانتباه. أما الداخلية تتولى الآلية الاصطناعية الخاصة بهذه الظواهر من النموذج المصطنع المعدل. وفي مبحث الارشادات والإرشادات الحجاجية، فنحصل فيها على المعادلة الآتية: المعنى يساوي دلالة الجملة + الشروط الاستعمالية، أي أن دلالة الجملة تساوي المعنى – الشروط الاستعمالية . ومن الميز الذي أقامه موشلير بين صنفين من الارشادات هي ارشادات تلفظية وارشادات حجاجية. يسوق المؤلف بعد ذلك أمثله الارشادات الحجاجية وهي: الارشادات وقوانين الخطاب. أما الفصل الثاني من هذا الكتاب فيأتي على مظاهر الحجاج داخل اللغة ويتناول فيه : الحجاجية نظرات في المفهوم حيث يعتبر أساس التأليفات الخطابية بين الجمل عندما نصف خطابا بأنه حجاجي فمعناه أنه يحوي ملفوظين يقوم أحدهما بتعزيز واسناد الأخر. فالأول حجة والثاني نتيجة. يأتي بعدها إلى الحجاج والإضمار . فالحجاج لا يرد غالبا في صورة صريحة وإنما بصور مضمرة. ومن ثم يتطرق بعدها إلى الحجاج والبرهان حيث أنهما مختلفان اختلافا كبيرا. ثم يأتي إلى الحجاج والإخبار فيؤكد على أن وظيفة اللغة ليست الإخبار فقط بل تشمل المستوى الإخباري والحجاجي. وفي هذا المبحث يستعرض الحجاج وفعل التنتيج؛ حيث يشير إلى أن التنتيج حسب ديكرو و أنسكومبر يفيد نمطا من الفعل اللغوي يقتضي انجازه أن يعمد المتكلم إلى انتاج ملفوظ معين . وفي النقطة الثانية يأتي على المواطن الحجاجية داخل اللغة حيث يرى أنها تنتشر في الخطاب بصورة مكثفة وتظهر من خلال روابط وكلمات معجمية وبنيات تركيبية ينتقل بعدها إلى مظاهر التساند والتعاند الحجاجيين. حيث أن الفاعلية الحجاجية في معناها العام لا تتسم بالقطعية كما في البرهان. وبذا فهو يميز بين نوعين من الحجج ( حجج متساندة وحجج متعاندة) ومن ثم إلى حالات التساند المهمل والتساند المقيد. ثم التعاند المهمل والتعاند المقيد . ينتقل بعدها إلى الخاصية التقويمية للملفوظات التقريرية يعطي بذلك مثالا كقول: زيد صبور يعني أنه مؤهل لقيادة الحزب في هذه الظروف . ومن ثم يأتي إلى المظهر الحجاجي للبنى الاستفهامية . حيث أن المعنى الاستفهامي يمكنه أن يؤدي في التأليف الحجاجي وظيفة الحجة كما يؤديها أي ملفوظ أخر . ومن بعد ذلك يستعرض العوامل والروابط الحجاجية حيث أن المتكلم حين يوجه ملفوظه توجيها حجاجيا عبر وسم هذا الملفوظ وسما حجاجيا يكوّن بذلك مجموعة من العلامات والاشارات التي تحدد كيف ينبغي تأويله. ومن ثم يعرض معنى الرابط والعامل في الاصطلاح المنطقي ثم العامل والرابط في الدلاليات اللسانية. أما ما يخص العامل الحجاجي، فيعده (صريفة) تصل ملفوظين أو أكثر ثم سوقهما ضمن استراتيجية حجاجية بعينها ويرى أن الرابط الحجاجي يختلف عن العامل الحجاجي بتعدد أصنافه التي تحكمها معايير هي عدد المتغيرات ووظيفة الرابط ومعيار العلاقة بين الحجج التي يسوقها الرابط . يتناول كذلك الخاصية السلَّمية للخطاب ويتطرق فيها إلى السلالم الحجاجية وقوانين التفاضل والتقابل والعلاقة السلمية التفاضلية. والسلمية التفاضلية في الخصائص والصفات والعلاقة السلمية التقابلية. والسلمية والظواهر التركيبية الدلالية. والنفي والعلاقة السلمية وما يندرج تحتها من قوانين . ثم يتطرق إلى الشرط والعلاقة السلمية ضاربا بذلك الأمثلة. ومن ثم يعرج على مشكلات وحلول حيث يتطرق إلى بعض الثغرات التي تعتور الوصف الذي اقترحه ديكرو وأنسكومبر . أما الفصل الثالث فتناول فيه مراجعات وتجديدات في الفصل الأول، تناول الحجاجيات اللسانية والنظرية الأصواتية حيث أن المراجعات القوية التي قام بها ديكرو ومعه التوجه الحجاجي اللساني ما يتعلق بمفهوم المتكلم فإن هذا التصور الذي تأخذ به هذه المدرسة وثيقة الصلة بأدبيات فلسفة اللغة الإنجلو أمريكية. الأصواتية من الأدب إلى اللسانيات . يتطرق بعدها إلى عيوب التصور الواحدي وهي أن الذات الناطقة هي المسؤولة عن مجمل الفاعلية النفسية الفيزيولوجية التي يتطلبها إنتاج الملفوظ.فإن الذات الناطقة هي التي تنجز الأفعال الكلامية المتحققة عبر انتاج الملفوظ. والخاصية الثالثة يتم اسنادها إلى الذات الناطقة . التصور الأصواتي من الواحدية إلى التعددية حيث يرى فيه أن التصور الواحدي للمتكلم يحتاج إلى صياغة تصوير بديل يفسر أنماط الملفوظات وهذا اقتراح ديكرو في القول والمقول. ويعرف كذلك مفهوم المتكلم بأنه الشخص الذي يرد في الخطاب باعتباره المسؤول عن الملفوظ . ثم يتطرق إلى المتكلم والناطق الواقعي . ويأتي بعدها إلى المتكلم الفعلي والمتكلم العالمي ويضرب الأمثلة لتوضيح الفرق بينهما. وفي مفهوم المتلفظ يؤكد ديكرو أن الفحص الدقيق لطبيعة معنى الملفوظ وتتبع الطريق التي يُلمح بها هذا الملفوظ إلى فعل التلفظ به يبين أن التعدد الصوتي لا يقف عند ابراز كثرة في المتكلمين فإن ما هو إلا مظهر أول من مظاهر الأصواتية . يتطرق إلى الأصواتية الأسكندنافية ويعرِّج على المحاولة الطموحة من قبل جماعة من الباحثين الأسكندنافيين كهنغ نولكه وكيجريستي وفلوتوم وغيرهم ‘ حيث حاولوا تطوير النظرية الأصواتية وتدقيق مفاهيمها ثم يخلص إلى أمور أربعة؛ هي: المتكلم وهو من يقوم بالبناء والإنشاء. ثم وجهات النظر ؛وهي : مصادر متغيرة. والثالث: الكائنات الخطابية . والرابع الروابط وهي التي تقوم بمهمة وصل مختلف الكائنات الخطابية بالأنظار. الحجاجيات اللسانية ومفهوم الموضع ويتطرق فيها إلى المدلول العام لمفهوم الموضع الذي يرجعه في جذره الأولى إلى التنظيرات الأرسطية للاستدلالات التي تقع خارج دائرة التفكير التحليلي. مفهوم الموضع في الحجاجيات اللسانية يعود بذلك إلى أرسطو وقد صرح ديكرو مرارا بالأصل الأرسطي لنظرية الحجاجية اللسانية برمتها. الموضع أساس التأليفات لخطابية ، حيث أن وظيفة الموضع تتمثل في تحقيق التأليفات الخطابية. الموضع والنظرية الدلالية؛ حيث سارع الرواد بعد افتراض هذه المفهوم إلى إدراجه ضمن النظرية الدلالية وتوظيفه في مستوى البنية العميقة . الموضع قاعدة عامة مشتركة حيث يرى موشلير أنها تمكن من انجاز نشاط حجاجي مخصوص. ومن ثم يتطرع إلى الموضع المباشر والموضع المعاكس ويأتي لذلك بأربعة أنواع من المواضع من خلال سوق الأمثله ويعتبر أن الموضع من النمط المباشر إذا كان المدرجان ينحوان المنحى نفسه سواء القلية أو الكثرية. ويكون من النمط المعاكس إذا كان كل مدرج منحى معاكس للمدرج الآخر. ويتطرق بعدها إلى النظرية الموضعية في سياق المعجم بضرب الأمثله. الموضع الداخلي والموضع الخارجي. فيعتبره داخليها إذا كان يؤسس دلالة الواحدة المعجمية. ويعتبر خارجيا أنه لا يتم بالسلاسة والتلقائية كما في الموضع الداخلي. المواضع والعوامل والروابط: فيرى أن العوامل والروابط لن تحتفظ بوظيفتها التي تتمثل في شحن البنية الدلالية للجمل بالقيم الحجاجية عبر توليد الإرشادات الحجاجية .أما دور العوامل فيقتصر على أمور ثانوية. المواضع والأصواتية حيث حاول ديكرو أن يقوم بادماج سقي لمفهوم الأصواتية في اللسانيات خصوصا الحجاجيات اللسانية. مشاكل مفهوم الموضع وآفاق الحجاجيات اللسانية ؛حيث يخلص فيه أن الأعمال المتأخرة في هذه الدراسة فيها دعوة واضحة إلى الاكتفاء باستثمار هذا المفهوم استثمارا عاما في قضايا تحليل الخطاب دون التعويل عليه في النظرية الدلالية وينتهي إلى قول كاريل إلى أن مفهوم الحجاج الذي أخذ به لا علاقة له بمفهوم الاستنتاج فهذا الأخير يستند كما هو معلوم على فكرة النقلة . وفي نهاية الكتاب يأتي إلى المظهر التوسيعي الثاني الذي يتمثل في مخالفة التوجه الكلاسيكي للحجاجيات اللسانية والقائل بأن دلالة الوحدة اللسانية تجسدها المسلسلات التي ترد هذه الوحدات في أشطرها الأولى . المظهر التوسعي الثالث يتمثل في مجاوزة الأطروحة الضمنية التي ينطوي عليها التوجه الكلاسيكي للحجاجيات اللسانية. أمل