رائع. حسن التهذيب، جيد التقسيم، متنوع المصادر، واضح اللفظ والفكرة.
يتناول الكتاب فكرة "حجية خبر الواحد" باستعراض بسيط وواضح، وهو مع ذلك مكتمل الأركان، جامع لرؤوس الاستشكالات مع الرد عليها. يبتدئ البحث بالتعريفات للمصطلحات التي لها علاقة بمبحثنا كالمتواتر، والمشهور، والخبر، والمستفيض، ونحو ذلك. ثم يستعرض تاريخيا الخلاف في المسألة بشكل مختصر. ثم بعد ذلك يعرض المسألة على شكل أقسام. فيقسم الأقوال المحكية في إفادة خبر الواحد مع عزوها لقائليها في مبحثين، مبحث القائلين بإفادته للظن، ومبحث القائلين بإفادته للعلم. ثم بعد ذلك يستعرض أبرز القرائن التي قد تفيد العلم. ثم يتعرض لأحاديث الآحاد بتقسيم آخر، وهو قبولها إن كانت في الأحكام والقول بالتعبد بها عقلا وسمعا، وهذه استعرضها كذلك بتقسيمها لمطلبين: مطلب القائلين بجواز التعبد، ومطلب القائلين بعدم جوازه. ثم بعد ذلك تعرض لأحاديث الآحاد والعمل بها في العقائد ما بين المجيزين من عدمه، مع ذكر حجج كل فرقة. بالنسبة لرأي الباحث فيتضح من عنوان الكتاب، وهو قوله بإثبات خبر الواحد في الأخبار والأحكام والعقائد، مع اعتبار القرائن في التضعيف أو التقوية. وعلى الرغم من أن الموضوع قد يشكل علي وعليك حينما يعرض في بعض الأحايين، إلا أن الواقع المشاهد ينبيك عن تطرف القول برده تماما، فهذا مما لا يستقيم معه أمور الناس في معاشهم، ولا تستطيع أنت أن توجبه على نفسك في تعاملاتك اليومية من أخبار وعلوم تتلقاها بشكل مستمر يصعب معه إنكارها إلا بتواتر، وعلى هذا فقس الأخبار النبوية التي تعامل معها الصحابة برعاية واهتمام وحرص وإعمال لآلة النقد، فلا الواقع المشاهد من أخبار إرسال الدعاة الآحاد لتبليغ الدعوة العقدية تدعم قول القائلين بالرد، ولا إجماع الأمة بالقبول وتركيزهم النظر في حال الراوي وما يدعم قوله من قرائن -وهو الأصح والأدعى لأن يتباحث فيه ويقبل اختلاف وجهات النظر فيه- كذلك. وعلى الرغم من خطورة التسليم لخبر واحد في مسائل الشرع والعقيدة، وتفهمي لعظم المسألة إن عرضت هكذا مجردة، إلا أننا لا نسلم بأن علماء المسلمين وعامتهم تعاملوا مع الأخبار بقبولها هكذا جزافا دون آلية، فالخبر حين تقبله تشترط عدالة قائله، فإن كان معناه مما يتماهى مع المعاني والأحكام الشرعية فلا مانع إذن يمنع من قبوله، بل في تماهيه قرينة تقوي من صحته، فإن كان من المعاني التي تشكل، عمل على محاولة الجمع بينه وبين ما قد يظهر التعارض بينه وبينه، فإن تعذر الجمع حيل للترجيح على حسب القرائن، وحسبك بذا منهجية علمية تريحك، وهي مما ترتضيه في خاصة أمرك وأهم شؤونك. وانظر لتعاملك مع الخبر الذي يلقيه إليك طبيبك كيف تقبله بناء على تسليمك بعدالته وفهمه، وكلما زادت القرائن كتطابق حديثه مع أعراضك، وتصديق وصفه لواقع مرضك، كلما ثبتت حجية قوله، وقد تظن فيه أو في آلاته الوهم والخطأ فتبحث عن شاهد يؤكد قوله، ومثله الشواهد والمتابعات في علم الحديث، بل إنك قد تدرس فصلا دراسيا كاملا في علم "مصطلح الحديث" لما يحمله هذا العلم من مصطلحات نشأت عن شدة تحرٍّ، ومزيد دقة من علمائنا الأجلاء. ومختصر القول: رد الأخبار هكذا جزافا لأنها آحاد مما لا يقبله عاقل، كما أن تلقيها هكذا دون تمحيص وتدقيق مما لم يدع إليه داع، والقول الوسط يكون بالقبول مع اعتبار القرائن في التقوية والتضعيف. وما أجمل ما ذكره ابن القيم في مختصر الصواعق(455) حين قال:"خبر الواحد بحسب الدليل الدال عليه، فتارة يجزم بكذبه لقيام دليل كذبه، وتارة يظن كذبه إن كان دليل كذبه ظنيا، وتارة يتوقف فيه، فلا يترجح صدقه ولا كذبه إذا لم يقم دلال أحدهما، وتارة يترجح صدقه ولا يُجزم به، وتارة يُجزم بصدقه جزما لا يبقي معه شك، فليس كل خبر واحد يفيد العلم ولا الظن، ولا يجوز أن ينفي عن خبر الواحد أنه يحصل به العلم..." فهذا مما يقعد المسألة ويلخصها، ويختصر المراد.
الكتاب منهجي؛ مترتب ترتيب منطقي وواضح التقسيمات والمعالم والثمرة. يوضح الكاتب ما سيتكلم عنه بأسطر قليله قبل ان يفعل. وهو مرتب على مقدمه وخمس فصول (التعريف بالمصطلحات، معنى حديث الآحاد واقسامه، مفاد خبر الواحد، حديث الآحاد في الأحكام، حديث الآحاد في العقائد). ويقوم في كل فصل بسبر الاقوال ثم الترجيح بشكل منطقي.
وددت فقط لو بين معنى العلم الظني والعلم اليقيني وما يترتب على كل منهما في بداية الكتاب. جزى الله كاتبه وناشريه والقائم عليه خير الجزاء وهدانا حسن السبيل
كتاب مميز ودقيق في موضوعه وهو موضوع بحثي أقرب للقراء المتخصصين منهم من القراء العاميين لكنه لا يخلو من فائدة لغير المتخصص خاصة لمن هو مهتم ولديه مبادئ ومقدمات علم الحديث