في موضوع جديد بالنسبة لي، قرأت هذا الكتب الذي كان مقررا علينا في دبلوم اللغة والاتصال والترجمة في أكاديمية نماء للعلوم الإسلامية والإنسانية،
وكانت أطروحة دكتوراة بقلم د. مقبل الدعدي، الذي عرفته أيضا في دورة التأسيس اللغوي،
كنت أطروحته عن تأثير السياسة والسياسيين في وضع اللغات إحياءا وإماتة، نشرا وقمعا، ألفاظا وتراكيب، وضرب مثالا لذلك باللغة العربية،
لكنه قبل أن يسهب في تاريخها قرر أولا أن يعرض لعدة أطروحات سابقة في نفس الموضوع،
وضرب المثال ب 5 شخصيات مهمة:
كان أولهم جورج أورويل، الأديب الإنجليزي المشهور، والضابط في الوحدات الإمبراطورية والمذيع في الإذاعة البريطانية، صاحب أهم روايتين من روايات الديستوبيا السياسية: 1984 ومزرعة الحيوانات، بيد أن له أطروحتين على نفس القدر من الأهمية "السياسة واللغة الإنجليزية" و"الشعب الإنجليزي"، وتحدث فيهما عن أثر التباين بين اللغة المستخدمة في أوساط النخبة السياسية والمثقفة الإنجليزية وبين عامة الشعب، إضافة إلى ما ذكره عن تلاعب الأنظمة الشمولية باللغة كما فعلت الخنازير بعد استيلائها على السلطة في مزرعة الحيوانات، وكما فعل النظام الشمولي في 1984 من تبديل للغة القديمة بلغة جديدة محدودة المفردات والمعاني غير قابلة للإبداع ولا التجديد.
ثاني شخصية كانت فرانز فانون، وكانت معرفته إكتشاف بالنسبة لي، طبيب فيلسوف وعسكري من أعضاء المقاومة الجزائرية للاستعمار الفرنسي في التسعينات، كتابه الأهم "من أجل إفريقيا" وكتاب "معذبو الأرض" وفيهما نبهنا فانون إلى مفهوم نُسب إليه وعُرف ب"الفانونية" أي النقد التحرري من الاستعمار، وقامت عليه كتابات ما بعد الكولينالية، وأسهب فيهما في بيان الثنائية التي طغت على الفكر الاستعماري، والتي حاولوا بها تبرير وحشيتهم وإجرامهم، من تقسيم العالم إلى مستعمِر حامل لقيم الخير والإنسانية، وإلى مُستعمَر حامل لقيم الشر في مرتبة أقرب للحيوانات.
ثالث شخصية هي المفكر إدوار سعيد صاحب ثلاثية "الاستشراق" و"المسألة الفلسطينية" و"تغطية الإسلام" وفيهما فرق بين الإمبريالية وبين الاستعمار، وتحدث عن أسلوب مهم اتبعته أدبيات الاستشراق من الاستعانة بالعلوم الإنسانية لإثبات دونية الحواضر المستعمرة وتسويغ وتبرير إنتهاك حقوقها وهتك إنسانيتها.
ورابعا عبد الوهاب المسيري وتحليله لخطاب النظام العالمي وتحديدا في موسوعة اليهود واليهودية وما حلله واكتشفه من عبث النظام العالمي بالمصطلحات بما يناسبه، وإثباته أن هذا العالم يستخدم مصطلحات مضللة في واقع الأمر لا تعبر عن حقيقة الأشياء كما هي، وإنما تعبر عن رؤية هذا العالم الغربي، وكشف كيف أننا نتبنى هذه الرؤى وكأنها مسلمات دون فحص وتمحيص،
تبعته في ذلك الشخصية الخامسة، نعوم تشومسكي، الموسوعي، مؤسس المدرسة التوليدية الحديثة، الذي أمعن في كشف زيف السياسة الأمريكية وتلاعبها بالمصطلحات والكلمات فيما أطلق عليه "اللغة الجديدة - نيو سبيك" وكيف أن الاستعمار مازال موجودا ولكن فقط تغيرت آلياته وطرقه، وهو ما أكد عليه أيضا إدوارد سعيد.
ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى تحليل أثر السياسة على اللغة العربية في 3 مستويات: المتن اللغوي - وضع اللغة - الدراسات اللغوية.
في المتن اللغوي ناقش أثر السياسة أولا على الأالفاظ والتراكيب: في عصري الخلافة وما بعد بعدها، متناولا اثرها في استحداث مفردات وتراكيب جديدة "مثال: ألقاب الخلفاء والأمراء (الخليفة، أمير المؤمنين، الحاكم بأمر الله ... الخ) - مسميات الفرق الإسلامية (الخوارج - الشيعة - الإسماعيلية - الباطنية .. الخ) - والحركات - مصطلحات عقدية وفقهية (البيعة، الولاية، .. الخ)
وفي تغيير دلالة بعض المفردات الأخرى مثل الخلافة والإمامة والبيعة-
وفي هجر بعض الألفاظ الأخرى.
وكذا في عصر ما بعد إنهيار الخلافة الإسلامية: وكثير منها مصطلحات متلقاة من العالم الغربي بحكم كونه مستعمرا،
وبنفس النهج من استحداث ألفاظ وتراكيب جديدة مثل: دول العالم الأول والعالم الثالث - العالم النامي - المواطن واللاجئ والمقيم - عصبة الأمم والأمم المتحدة - الاستعمار - الصهيونية ... الخ
أو تغيير دلالات بعض الألفاظ: مثل الإرهاب - الجهاد - الخوارج - الانتفاضة - السلام، وغالبها تغييرات عبثية تحمل دلالات أيدولوجية مختلفة.
أو هجر بعض الألفاظ كهجر معظم ألفاظ وتراكيب عصر الخلافة.
ثم تحدث عن أسر السياسة في الأبجدية:
في تغييرها: مثلما فعل أتاتورك بتغيير الأبجدية التركية من العربية إلى اللاتينية.
في حمايتها: مثلما فعلت الدولة العثمانية كرد فعل لحماية الأبجدية الألبانية، أو ما فعلته اليابان لحماية الأبجدية اليابانية من تدخل الأمريكان بعد الهزيمة في الحرب العالمية.
في إصلاحها وتعديلها: مثلما فعلت سلطنة برونوي في إصلاح وضع اللغة العربية - أو بصورة أوضح ما فعله أبو الأسود الدؤلي بإيعاز من الخليفة علي بن أبي طالب أو من واليه زياد بن أبيه، بوضع علم النحو لحفظ اللغة العربية.
ثم تحدث عن علاقة الأبجدية بالهوية، تحديدا علاقة الأبجدية العربية بالدين الإسلامي وبالثقافة وبالاستقلال، مبينا أهميتها وسعي الاستعمار إلى هدمها لما يعلم من كونها الحبل الذي يربط الشعوب بدينهم وعقيدتهم وثقافتهم.
في الباب الثاني حديث عن أثر السياسة على وضع اللغة:
أولا داخل محيطها:
وضع اللغة في الدستور - في الإدارة - في الإعلام - وفي التعليم
أمثلة: ازدواجية اللغة في دول شمال إفريقيا
رؤوس المال والشركات الأجنبية الدولية في الدول العربية
القنوات المنتشرة في العالم العربي باللغات الأجنبية، اختلاف اللهجات في القنوات، استخدام اللغات الأجنبية في القنوات الرسمية
انتشار المدارس الأجنبية والكليات الأجنبية في العالم العربي.
تلاه حديث عن أثر السياسة وتحديدا الاستعمار في وضع اللغة: وحديث طول عن محاولات الاستعمار محو اللغة العربية وقتلها، تحديدا ما كانت تفعله فرنسا من سياسات لغوية متشددة، مثال: حال دول شمال إفريقيا بعد نهاية الاستعمار تحديدا الجزائر التي احتاجت لحملة تعريب شاملة.
ثانيا خارج محيطها:
انتشار اللغة العربية بفعل انتشار الإسلام: فرنسا كمثال
وعلاقة القوة بانتشار اللغة: انتشار اللغة الإنجليزية بفعل الهيمنة العسكرية البريطانية سابقا ثم الأمريكية حاليا.
الروسية كمثال في الدول السوفيتية،
الفرنسية في المستعمرات الفرنسية مثل دول غرب إفريقيا.
في الباب الثالث والأخير: أثر السياسة على الدراسات اللغوية:
الفصل الأول: عن أثر السياسة في نشأة علم النحو، (مثال: قصة أبي الأسود الدؤلي التي ذكرناها سابقا)
أثر السياسة في النحو في مرحلة ما بعد النشأة وتشجيع الحكام للعلماء،
ثم العلاقة بين الحكام والعلماء النحويين، مثال: الكوفيين والبصريين.
ثم حديث عن أخطاء منهجية وقع فيها العلماء المحدثون أثناء الحديث عن هذا الموضوع.
الفصل الثاني: أثر الاستشراق على السياسات اللغوية العربية والعوامل السياسية المتحكمة في ذلك:
وفيه حديث ذو شجن، عما فعله المستشرقين -كثير منهم- من تخريب للدراسات اللغوية لأغراض سياسية بحتة، عن انصياع الأساتذة العرب وكثير منهم من الأعلام لهذه السياسات والأفكار بل تبنيها والترويج لها، ومحاربة من يرفضها ولا يتبناها.
الفصل الثالث: وحديث عن أثر السياسة في الدراسات اللغوية الغربية
ومقارنة بين اللسانيات الوصفية واللسانيات التاريخية المقارنة،
ثم عرض للسانيات الأمريكية، وعرض خاص للسانيات التوليدية التحويلية ورائدها تشومسكي،
ونكتة طريفة عن نظرية مارا الروسية التي تبنى نشأتها ستالين ثم وأدها بنفسه.
كان هذا عرضا سريعا مخلا للكتاب، الذي فتح لي أبواب جديدة من المعرفة لم يكن لي سابق عهد بها.
نتيجة الاختبار 23/25