يشكّل كتاب السيادة الشعبيّة الدينيّة: اشكاليّة المفهوم جزءًا من الحراك الفكريّ حول مفهوم السيادة الشعبيّة الدينيّة، سعى الباحثون في مقالتيه لإيجاد منحًى تنظيريًّا لها. وضّح الباحث في المقالة الأولى "السيادة الشعبيّة الدينيّة بين الإمكان والامتناع المفهوميّ" مفهوم السيادة الشعبيّة الدينيّة وعرض الآراء حوله ليقول أنّه مفهومٌ ممكنٌ وبيانه ممكن أيضًا وعناصره المكوّنة منسجمة ومتناغمة. بعدها ذكر الأركان الثلاث لنظريّة الشعبيّة الدينيّة وهي: الدين، القيادة الدينيّة والشعب. أمّا في المقالة الثانية "السيادة الشعبيّة الدينيّة ونُظم الديمقراطيّة"، فقد ذكر الكاتب تأثير الثورة الإسلاميّة على الفكر السياسيّ الإسلاميّ. فبدأ بأُسس قيام الدولة الدينيّة ونظرة الإسلام للسياسة والسلطة وأنّه، بوصفه آخر الأديان السماويّة وأكملها، لا يمكن أن يترك شؤون الناس الإجتماعيّة واحتياجاتهم العامّة وأهمّها مسألة الدولة والسلطة دون بيان. ثمّ ذكر أسس السيادة الشعبيّة الدينيّة ، ثمّ تعرّض لتعريف الدولة الدينية –الثيوقراطيّة- من جهة والديمقراطيّة من جهة أخرى؛ التصنيف والعناصر الأساسيّة. ثمّ قدّم نقدًا للثيوقراطيّة، والفرق بين النظام الديمقراطيّ والسيادة الشعبيّة الدينيّة. وختم بخلاصة أنّ نظام السيادة الشعبيّة الدينية ليس التقاطًا بين نظامين، بل هو مستوحًى من الحكومة النبويّة والعلويّة في صدر الإسلام، وهو الأساس الذي بُنيت عليه الجمهوريّة الإسلاميّة، ودعّم رأيه هذا بشواهد من الأحاديث النبويّة الشريفة وما عبّر عنه الإمام الخميني قدّس سرّه.
اشتريت الكتاب من مرض كتاب مهرجان الأيام الثقافي الأخير في سياق اهتمامي بالمفهوم الإسلامي للسياسة ومحاولة لفهم نظرية الإسلام السياسية، والكتاب كان إطلالتي على ما تحاول دار المعارف الحكمية الوصول إليه وأعتقد إنها وفقت جداً في هذا الكتاب
الكتاب يأتي ضمن جزئين، الأول: إشكالية المفهوم (هذا الكتاب) والكتاب الثاني: معالجات في التطبيق (سأقرأه لاحقاً)، وهما عبارة عن عدة بحوث لمجموعة من الأستاذة الجامعيين والمتخصصين والباحثين، إي إنهما كتبا بلغة علمية.
اشتمال هذا الكتاب على بحثين، الأول للمتخصص في العلوم السياسية في جامعة الشهيد بهشتي منصور مير أحمدي، ولقد كابدت مع بحث الأمرين في محاولة هظم لغته العلمية المبالغ فيها حيث يمتلئ بحثه بمصطلحات ومفردات ليست في في مقام التداول اليومي منها ذكره مصطلح "الهرمنيوطيقيا" بدون شرح أو توضيح للمصطلح (أضطررت للبحث عنه في جوجل). وبجانب ذلك وجدت صعوبة في الحفاظ على تسلسل واضح لأفكار الكاتب، الأهم إنه بالكاد استطاع أن يعطي صورة واضحة عن مفهوم السيادة العشبية الدينية (على إنها أحد أفهام الديموقراطية) إن لم يكن مشوشاً لفكر بعض القرّاء
في المقابل فإن البحث الثاني والذي كتبه الباحث المتخصص في الفقه السياسي السيد سجّاد أيزدهي قد أبدع في بحثه من ناحية اللغة المستخدمة اليسيرة على القارئ الغير متخصص ومن ناحية تسلسل أفكار البحث واستعراضه الوافي للنقاط حيث يحتاجها وإغفاله عن ما لا يخدم غرض البحث، كما إن شرحه لمفهوم السيادة الشعبية الدينية وافي وكافي ومعزز بالنصوص الدينية وبنصوص العللماء والمتخصصين باختلاف انتمائاتهم .. وكلي ثقة بأن هذا البحث سوف يعطي القارئ مراده من الكتاب ويغينه عن البحث الأول
بالنسبة لرأييّ الشخصي بخصوص مفهوم (السيادة الشعبية الدينية) وهو حسب ما يعرضه الكتاب على إنه أفضل نظام سياسي على وجه الأرض وإنه أنموذج تقدمه إيران لباقي الدول على إنه صالح للإستخدام والتطبيق فيه، فإنه الموضوع جاد ويستحق النظر فيه وبحثه بعمق فهو يضم بين جنبيه حسنات الديموقراطية ويتجاوز سيئاتها وهي التي تعتبر أفضل نظام سياسي حتى الآن لدى الكثير من الدول، ومن جهة أخرى فإن المفهوم يتجاوز بمراحل المفهوم السيء للنظام اليثوقراطي ليضع الإرادة الألهية في وضعها الصحيح، وقد أعجبني أن وضع المفهوم في سياقه التاريخ (ولاية أمير المؤمين (ع)، الأمر الذي جعل الصورة أوضح في امتدادها التاريخي وتفسير ما حدث ولماذا حدث ما حدث.
أختتم الباحث بالكلام عن معايير تعيين الحاكم الإسلامي في ثلاثة عناصر هي: أ- الولاية في مرحلة الاستعداد والصلاحيّة (الحقّانية) - تعيين الله ب- الولاية في مرحلة الجعل والاعتبار (المشروعية) - البيعة ج- الولاية في مرحلة السلطة والاعتبار (المقبولية) - حسن التولي
وهذه الثلاثة عناصر هي خلاصة جميلة للبحث وقد كنت وددت لو تعمق أكثر فيها فيما أشبه بالنهايات المثيرة في الأفلام والتي تجعلك تتطلع إلى حلقات أخرى من لتسبر أغواراً جديدة أكثر عمقاً واتساعاً
أعطي الكتاب أربع نجمات، لأنه استوفى بشكل جميل استعراض الهدف من االكتاب (شرح مفهوم السيادة الشعبية الدينية) النجمة الخامسة ذهبت بسبب البحث الأول، ولو كنت من الدار لأعدت كامل صياغته هذا إن لم أحذفه من الأساس