عند كل امة كتاب ادبي يفخرون به ففي الفرنسية البؤساء لفيكتور هيجو، وفي الروس الرواية المتوجة على عرش الرواية العالمية الحرب والسلم لليو توليستوي ، وفي القارة العجوز عامةً واليونان خاصة الإلياذة والأوديسة لهوميروس، وفي الفرس الشاهنمة لأبي القاسم الفردوسي، وكل هذه الكتب الادبية لا يسمى اديب اصحابها اديبًا إلا اذا تفقها، وانسابة له معانيها؛ فذللت له صعابها، ثم يركب صهوتها ممسكًا بقلمه كما يقبض الفارس بسيفه حتى يلحم بيديه فيمسي حديدٌ لا يُفل حتى بالحديد.
ووهب الله لنا العرب فصحاء هم اصل ذلك الحديد ( بعد الوحيين)، الشعراء كأصحاب المعلقات ووهب كذلك بلغاءً والفصحاء، كما أن الفاقة في الجاهلية حدّت اهل الجزيرة العربية في أن يتقاتلوا من الناحية المادية ( على موارد الماء ومراعي الدواب والماشية)، ومن الناحية المعنوية ( دفاع عن عرض والكرامة)، صارت ايام ومعارك خلدها التاريخ تسطرت فيها الوان من الشجاعة والفروسية والنخوة جمعت في ملاحم واساطير وادب( شعرًا كان او نثر)،وبعد أن اسلمت القبائل توقفت هذه المعارك في عهد النبوة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولم تتوقف هذه الفنون بل وزيد عليه، فمنهم من اتى النبي معتذرا يطلب الصفح عنه بشعر ككعب بن زهير بن أبي سُلمى او كما فعل الحطيئة مع الخليفة الثاني عمر أو حتى الأعرابي الذي أتاه يستعطفه بشعرٍ ليطعم بُنياتيهِ وامهن, وهذا الباب إن فُتِحَ لا يُوصد.
وبعد تقادُمِ الأحداث والأزمنة وتنوع الأمكنة , أختلفت مشارب الناس في طلب الفن والأدب ففي القرن الثالث الميلادي شرع أبا الفرج الاصفهاني ببغداد
في الكتابة لأنه قال في مقدمة الكتاب : والذي بعثني لتأليفه أن رئيسًا من الرؤسائنا كلفني جمعه له , بلغنا أن الكتاب المنسوب إلى إسحاق في ( الموصلي ) مدفوع أن يكون من من تأليفه ....... إلخ. فاستحسن أهل الأدب في زمانه، بل وحتى أهل السياسة فقد طُلب الكتاب من قبل الخليفة الأموي الحكم المستنصر بالله فقرأ عنده في الأندلس قبل أن يقرأ في بغداد (بلد التأليف) .
بحر من التاريخ والشعر والأدب في ما قبل الإسلام في الجاهلية إلى القرن الرابع الميلادي, فمن أراد أيام العرب وأشعارهم قبل الإسلام لن يعدو الأغاني ومن أراد تاريخ العرب وأدبهم بعد الإسلام فلن يُغفل هذا الكتاب لن القارئ في ثناياه كمن في غواصة بحرية في محيط ترى أشكال فيها والألوان مما خلق الله وصور فأحسن -جل في علاه-, ذاك شاعرٌ آنسه شعره بآلام قلبه وأتراح بينه, وذاك مغني اطرب السامعين بمقاله وعزفه, هو موسوعة أدبية بحق ينتقل بك بين الكرم والبخل .....النخوة والرخوة....... الشجاعة والجبن........ التنسك والخلاعة......الخشوع والمجون ......فتكون فيه بين الفضائل والرذائل.
الناظرين في كتب الأدب العربية عامةً يختلفون في تعاطيهم هذا الأدب فمنهم من يضع من مهامه تصوير الحياة الاجتماعية في ذلك الوقت ,وفي نظرهم أن البعرةَ تدل على البعير والأثر يدل على المسير والظاهر القليل يُنبئ عن الباطن الكثير , ومنهم من يقول هذا مجرد أدب وليس تصوير دقيقا للعصور وذلك لأن أهل الأدب لم يُعنوا بتنقيح الأخبار فيها , ولكن قليل من يقرأ الأدب واضِعًا كل الاحتمالات في الأعتبار , ولكل مُقَاسٍ مقياس.
ذلك الكتاب او بالأحرى جليسي الذي فارقني منذ ان طويت الكتاب على آخر صفحة منه فلم يزل يَمِنُّ علي ببعض وصله بين الحين والحين فلا اراني استريح إلا أَرِقًا على الفراش طريح.
تمت