لقد ارتبط العطر في ذاكرة العربي، بوقت مبكر منذ نزول آدم من الجنة ومروره بأرض الهند حاملاً معه بذوره التي انتشرت في كل العالم، وقد انتقلت صورة العطر في العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي ليس بوصفه مادة كمالية يتأنق بها الإنسان فحسب، وإنما بوصفه مادة طقسية احتفالية لها صلة بالأديان والعقائد التي كانت شائعة قبل الإسلام، ثم تبنى الإسلام العطر بشكل ديني وثقافي وجمالي، وعرف المسلمون الأوائل بحب الطيب وأجناس العطر، ثم أصبح خلوقاً وطقساً خاصاً في الأعياد والجمع والمناسبات. وقد عنى البحث بشكل خاص بمصادر العطر النباتية والحيوانية والجمادات وغيرها. كشف البحث عن عناية فائقة -لدى العرب- في صناعة العطر، وتنوع صناعته وابتكار الخلطات والتراكيب واهتمام العطارين والأطباء به واهتمام الخلفاء والأمراء ومن يليهم في الأمر، بتحضير العطور وتهاديها والعناية بها ومتابعة استعمالها في الأماكن الدينية والمناسبات وفي المساكن العامة والخاصة، حتى تطور الأمر إلى وجود خزائن وخزنة خاصين للخلفاء، واجبهم خزن العطر والعناية به. ووراثته كما يرث الخليفة ملكه وسدة حكمه.
الكتاب عبارة عن دراسة عن العطر منذ العصر الجاهلي وحتى العصر العباسي وقد اشتمل على ثلاثة أبواب : الباب الأول / عن مفهوم العطر وتاريخه حيث أن " التاريخ ليس مجرد حقائق وأحداث بمقدار ما هو منظومة اجتماعية سيميائية " ، أما الباب الثاني فكان عن الجوانب الإقتصادية من مصادر إنتاج العطر وكيفية صناعته و المتاجرة به محلياً وخارجياً ، وقد عرف الخلفاء الأمويون بحب الطيب الراقي ، وهو ما سمي بالغالية مكون من مسك وعنبر وعود ودهن ، أيضاً عرف عن عمر بن عبدالعزيز ولعه باستخدام الطيب بكثافة عالية حيث روى بعض الرواة حكاية تقول : " كنا نعطي الغسال الدراهم الكثيرة حتى يغسل ثيابنا في أثر ثياب عمر بن عبدالعزيز من كثرة الطيب فيها . قال : ثم رأيت ثيابه بعد ذلك وقد ولي الخلافة فرأيت غير ما كنت أعرف " . أما الباب الأخير فكان عن الجوانب الإحتفالية والفكرية و " صلة الطيب بالحرب والحب والموت وقوة الإلتصاق بالحياة " أي " صار الاتصال بالطيب اتصالاً بالحياة وتصدياً قوياً للموت " .
_ " كانت العرب توقد نار القِرى للأضياف حتى يروها ، وفي أماكن مرتفعة ، وبعضهم يوقدها بالمندل ، وهو عطر ينسب إلى مندل بلد في الهند مما يتبخر به ونحوه ، ليهتدي إليها العميان الذين لا يرون النار . ولعل تفسير وضع العطر بهذه النيران ، لكي يستدل بها العميان ، هو من باب التفسير المتأخر ، وإنما هو طقس احتفالي بالكرم " .
الكتاب للباحث التاريخي جيد لكنه لا يعطي أضافات جديدة للقارئ مثلي باحثاً عن فلسفات العطر وما تفعله رائحته لكنه يعطيك انطباع اهتمام العرب (الحكام) من بذخهم بالعطور