الأربع نجمات للرسائل المبكرة، أي باستثناء ’’الرد على الدهريين،‘‘ إذ ليست تلك الأخيرة بأكثر من نص إيديولوجي يتبنين في مجمله على مقولات هوياتية ويتسم بالسطحية الشديدة والابتذال، وإن كان ذا شأن كبير كحلقة في سلسلة تطور الهوية الإسلامية المُعاصرة بمُقابلة الغرب (بريطانيا على وجه الخصوص) ’’المُلحد‘‘ و’’البهيمي‘‘ و’’المُخادع،‘‘ ليُصبح النص انشغالًا بالهجوم على الاستعمار من جهة، وعلى ’’الشيوعيين‘‘ و’’العلمانيين‘‘ من جهة أخرى؛ وهو يعمل على مطابقة الطرفين من جهة ثالثة، بينما يؤدي إلى إنتاج وتثبيت الهوية الإسلامية النقيض في الآن نفسه.
أما الرسائل الأقدم (آخرها نُشر عام 1881 باستثناء رسالة القضاء والقدر) فتكشف عن إمكانات مطمورة للخطاب بقدر ما تكشف عن وجه مُغاير للأفغاني قد جرى نسيانه، ليس فقط على مستوى المضمون، وإنما كذلك على مستوى الشكل، لرصانتها الفلسفية التي لا تتماهى مع الفكرة الجاهزة عن الأفغاني كديماجوج ومُهيّج سياسي بالأساس. وإن كان لا يصعب على قارئ سيد قطب مثلًا أن يجد أرضًا مشتركة واسعة بين اختزالية ’’الرد على الدهريين‘‘ في معالجتها للمادية ومطابقتها مع الشيوعية المُطلقة للأموال والنساء (الانحلال وفساد الاجتماع)، وتقديمها باعتبارها تكرارًا لشر قديم في صراع أزلي مع الحضارة التي لا تتقوم إلا بنقيض تلك المادية المُلحدة، ما يضع الصراع القائم ضد الاستعمار في الإطار الإسكاتولوجي الأثير لقُطب فيما بعد، وبين هذا الأخير، فإنه من المؤكد كذلك أن الرسائل الأقدم لا تجد لها محلًا داخل الخطاب الإسلامي القائم اليوم بحال، وهو خطاب يُبدِّعها على الأقل ويُكفِّرها على الأكثر. إن المثير للاهتمام بخصوص هذه الكتابات أنها تكشف عن التشكل البطيء ’’لبراديم‘‘ الإسلام السني المُعاصر، بعد مرحلة ربما تكون قد عانت من الغياب التام لأي نموذج مُستقر عليه (ربما ينتمي الكواكبي إلى مرحلة غياب النموذج تلك)، وبزوغ هذا البراديم الذي سيعمل تدريجيًا على نبذ هذه الكتابات، حتى مع انتسابها إلى مؤسسيه. إن فرضية تشكل المقولات المركزية للإسلام السني المُعاصر تدريجيًا أواخر القرن التاسع عشر، ووقوع الفترة ما بين الحملة الفرنسية وحدوث هذا التشكل في حالة أكثر سيولة على صعيد الثقافة وأرحب أفقًا، في ضوء هذه النصوص بالذات، تبدو حقًا فرضية مغرية بالبحث.