يسعى هذا الكتاب إلى تقديم تصور أولي وبالخطوط العريضة عن بعض جوانب ما اصطلح عليه بـ"المشكلات العقلية الكبرى"، وهي مسائل المعرفة والنفس والألوهية (مع ما في التعبير من تسامح) والطبيعة، فيعرض للآراء التي توصلت إليها الحضارات الفلسفية البشرية في مختلف مراحلها حول كل واحدة من القضايا تلك، ابتداءً بالعهد الإغريقي الأول، ومرورًا بالحضارة الإسكندرانية وآراء الفلاسفة الأوروبيين، وانتهاءً بتحقيقات الفلاسفة المسلمين لا سيما الفيلسوف "صدر المتألهين محمد بن إبراهيم الشيرازي"، آخر مجدّدي الفلسفة الإسلامية والرجل الذي تدين له هذه الفلسفة بالشيء الكثير لما حقق لها من إنجازات لم يكن لأحد قدم السبق إليها.
إن المؤلف بعرضه هذا للقضايا المذكورة يقدم للقارئ عرضًا متكاملًا لكيفية تناول العقل الإنساني لكل من القضايا تلك، وهو إذ يتتبع السياقات الفكرية المختلفة ويستخلص منها وحهات النظر حول قضايا مشخصة، إنما يساهم في تكوين رؤية تاريخية متكاملة للحراك الفكري عند بني البشر، وهو جهد كبير يشكر الباحث على بذله.
كاتب عماني ورئيس تحرير مجلة الرؤيا.صدر له "المعرفة والنفس الألوهية في الفلسفة" عن دار الساقي بإجازة وتعليق آية الله الفيلسوف الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي كما وصدرت له أيضا دراسة فلسفية بعنوان "برهان الصديقيين" والتي تستعرض تاريخ البرهنة على وجود الله وخصوصا برهان واجب الوجود باعتباره أكمل وأدق البراهين الفلسفية المثبتة لوجود الله والتي ابتدأه الفارابي ووسعه الشيخ الرئيس ابن سينا وأنهاه في صورته التامة صدر المتألهين الشيرازي. وله رواية بعوان "البعد الضائع في عالم صوفي" يستعرض فيه تاريخ الفلسفة الإسلامية وأشهر رموزها وأهم إنجازاتها ومسائلها. ولقد نقل الرواية إلى الإنجليزية الدكتور حسن أحمد جواد اللواتي ونشرته في الولايات المتحدة وأوروبا Dorrance العالمية.
ما يحاول المؤلف فعله هنا هو دون شك أمر هام، فهو يقوم برصد ثلاث مقولات فكرية أساسية - هي المعرفة والنفس والألوهية - ويقدم آراء أهم فلاسفة اليونان وأوروبا والإسلام حولها، ليخلص إلى إظهار تفوق الفلسفة الإسلامية على نظيراتها بإتمامها لما انتقص في طروحات تلك الفلسفات كما وتقويمها لما اعوجّ فيها.
إلا أن الجهد هذا يعاني من عدة ثغرات منهجية تضعف الكتاب وتفقده الجدية المطلوبة، بل لا تخوله الوقوف في وجه الطروحات التي اعتبر أنه تخطاها بما قدمه هنا، فلا يصح مثلًا أن أستدل على رأي ديكارت أو كانط أو أفلاطون بخصوص مسألة ما بالاستناد إلى موسوعة الدكتور بدوي، أو كتاب العلامة الطباطبائي، أو غيرها من الكتب التي تقدم فهم مؤلف ما لآراء أولئك الفلاسفة، كما لا يصح أن أكتفي في عرضي لآراء فلاسفة أوروبا ببعص وريقات فيما أخصص لآراء ملا صدرا عشرات الأضعاف من ذلك.. كما ولا يقبل عقل سليم الاستخفاف بطروحات المدارس الفلسفية الغربية كما يفعل المؤلف، حيث يشعرنا أن ديكارت مثلًا، أبو الفلسفة الأوروبية، لم يكن إلا شخصًا محدود النظر مفتقرًا إلى كثير من الفهم..
في الخلاصة، الكتاب أشبه بنص تبشيري للفلسفة الإسلامية منه ببحث علمي ينتاول القضايا الثلاثة تلك. إلا أنه لا يخلو من فائدة فإن فيه معلومات غنية حول طروحات الفلسفة الإسلامية، وهي مفيدة جدًا لغير المطلعين عليها، ولذلك قيمته بنجمتين..