النقطة الزمنيّة المهيمنة في رواية الخماسين، هي الخماسين بكلّ ما تطرحه الكلمة من دلالات على الزمن والمكان. وتعني الكلمة من الناحية المناخيّة نوعاً من الرياح الحارّة المحمّلة بالرمال والأتربة، تهبّ على منطقة جنوب البحر الأبيض المتوسّط في أواخر الربيع؛ في شهري نيسان وأيّار. ويُعرف الطقس الذي يكوّن من جرّائها بالطقس الخماسينيّ. من هنا فالخماسين يمكن التعامل معها بأنّها زمن تشغله أحداث طبيعيّة ضمن بقعة محدودة.
وربّما كان غالب هلسا مدركاً ذلك حين اختار الكلمة عنواناً للرواية. فإذا كان النصّ هو المولود فإنّ العنوان هو المولّد الفعليّ لتشابكات النصّ وأبعاده الفكريّة والأيديولوجيّة(2)، لهذا فإنّ دراسة عنوان الرواية هو دراسة في أعماق النصّ وفضائه.
غالب هلسة، أديب أردني. ولد في إحدى قرى (ماعين) قرب (مادبا) في الأردن، يوم 18 ديسمبر 1932، وتوفي في اليوم ذاته من عام 1989 في دمشق عن سبعة وخمسين عاماً. تقلب غالب في شتى البلاد العربية، من لبنان، إلى مصر، إلى العراق، إلى سورية، بالإضافة إلى وطنه الأردن، وكان قد تركه في سن الثامنة عشرة إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية هناك. لكن الشاب - الذي كان قد بدأ محاولة الكتابة في الرابعة عشرة من عمره - أُجبر على قطع إقامته في لبنان وعلى العودة إلى وطنه، ثم على مغادرته مرة أخرى إلى بغداد، ثم على ترك بغداد إلى القاهرة، حيث أنهى دراسته للصحافة في الجامعة الأمريكية. وأقام غالب في القاهرة لثلاثة وعشرين عاماً متصلة، يعمل في الترجمة الصحفية، ويكتب قصصاً وروايات، ويترجم الأدب والنقد، ويؤثر ـ بشخصه وبأعماله وبثقافته ـ في جيل الروائيين والقصاصين والشعراء الذي أُطلق عليه ـ فيما بعد ـ : (جيل الستينيات). وفي عام 1976، أُجبر غالب هلسا على ترك القاهرة إلى بغداد، التي غادرها بعد ثلاث سنوات إلى بيروت، حيث أقام إلى أن اجتاحت القوات الإسرائيلية العاصمة اللبنانية، فحمل السلاح، وظل في خنادق القتال الأمامية، وكتب عن هذه الفترة الهامة نصوصاً تجمع بين التحقيق الصحفي والقصة ثم رَحَل مع المقاتلين الفلسطينيين على ظهر إحدى البواخر إلى عدن، ومنها إلى إثيوبيا ثم إلى برلين. وأخيراً حطّ به الرحال في دمشق التي أقام بها إلى أن توفي بعد سبع سنوات من وصوله إليها. والعالم الروائي عند غالب هلسا عالم واحد، متنوع المناحي وعميق، لكنه محدد ومتواتر القسمات، يدور أساساً حول شخصية الراوي التي تأتينا أحياناً بضمير المتكلم، وأحياناً أخرى بضمير المفرد الغائب الذي ينبثق العالم الروائي منه. وفي أحيان كثيرة تبدو شخصية الكاتب سافرة، بملامحها المعروفة من حياة الكاتب. وفي أحيان أخرى يتخذ اسمه صريحاً. غالب كاتب وشخصية روائية، سواء، هو ابن وفيّ وقادر على الإفصاح، لتلك الحقبة التي زلزلت البلاد العربية جميعها تقريباً، من أواخر الأربعينيات حتى أواخر الثمانينيات: بآمالها وآفاقها وخياراتها وشعاراتها ووعودها وتطلعاتها، ثم بالضربة الساحقة في 1967 والانهيار الذي تلاها. والشهوة الحسية في كتابات غالب هلسا ليست بهيجة ولا فرحة، بل هي ليست تحققاً، إذ يستخدمها الكاتب في التعبير عن الخذلان والفشل والسقوط.
وأخيييرًا قرأت لـ غالب هلسا ... هذا الروائي الأردني المصري الذي دار الحديث حوله كثيرًا بين جيل الستينيات المصري الشهير، والذي رافق في سيرته الأدبية الغيطاني وإدوار الخرّاط، وغيرهم .. ذلك الرجل الذي عاش في "مصر" حتى يبدو واحدًا منّا .. لاسيما في هذه الرواية المميزة التي تدور بين شوارع القاهرة وحواريها من التحرير إلى الزمالك إلى بولاق أبو العلا، بل وتحدث عن وكالة أنباء الشرق الأوسط التي عمل فيها، في هذه الرواية مساحات من التداخل الواضحة بين "غالب"" الكاتب الروائي والصحفي وبين شخوص روايته، حتى ليخيّل إليك أن العمل يشكل مقاطع ذات علاقة بسيرته الذاتية، بدأت الرواية بداية محفِّزة وشيقة جدًا وذلك من خلال رسم شخصيات العمل من خلال الحوار الدائر بينهم، وهي طريقة احترافية نادرًا ما ينجح فيها الكتَّاب، إلا أن غالب يبدو متمرسًا محترفًا، ثم دارت الرواية دوراتٍ مختلفة تمثل جو "الخماسين" وما قد يكون له من أثر على الشخصيات والناس سواء في الجو العام أو أجواء الشخصيات الداخلية التي بدت كلها مغبشة غير واضحة .,, إلا أن ذلك لم يستمر طويلاً إذ بدا أن الأمر تفلَّت منه في آخر الرواية، لاسيما فصلها الأخير .. أحببت كتابة غالب، ولاشك عندي أني سأجرِّب له أعمالاً أخرى :)
الحمد لله الملك الحق، وما الدّهرُ والأيّامُ إلّا كما ترى، رزِيةُ مالٍ أو وداعُ حبيبِ، كنت أجلس عند صديق لي في محل عمله، فأشار لي ذات مرة على حسناء ذات أدب ترتاد محله، علني أرى فيها ما رآه، والعين تنكص في بعض الأحيان عن محاسن الأمور، وتحتاج من يشير لها على عين المقصود، غير أنه لم يعلم أن نكوصي عن النظر والتبين لقناعتي بأن حظي لم يوافق يومًا ساعة سعدي، وفي حديث زاهر أو جليبيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا"، وهذا لعمرك هو فقه الواقع، وقد تبينت الرفض مع هذا الصنف في قرارة نفسي حتى أصابني ما يشبه القناعة أو العجز، والعجز هو عين الرضا يا أصيحابي، وقد انشغلت بعدها بالأمر كأني وافقت قول الشاعر: أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى، فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا، وهذا لعمري غاية التلف، وقد انتهى الأمر بهروب الحسناء من محل صديقي خشية أن يصادف سعدها نحسي، فحزنت فترةً من الوقت، ورانت على قلبي كدرة، وحظي أني لم أعتبر بقول ناصح الدين الأرجاني: ولئن صددّتِ فلستُ أولَ خاطىءٍ، يتوقَّعُ الإحسانَ مِن حسناءِ، قرأت منذ أيام رواية لكاتب أردني يدعى "غالب هلسا"، كنت قد اشتريتها من ركام كتب سور الأزبكية، في إحدى سنوات معرض الكتاب، ووضعتها في الأكياس علني أقرأها ذات يوم، ولما اعتزمت أن أبدأ في مشروع القراءة أخرجتها منذ أيام، وتعجبت أن النسخة تكاد تكون جديدة تمامًا لم تمس رغم أنها من إصدارات سلسلة آفاق الكتابة في بداياتها، وهذه السلسلة كانت تصدر بسعر زهيد، جنيه أو جنيهين، وتباع ضمن إصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكانت مميزة في اختياراتها الأدبية، أغلب أعدادها جيدة جدًا لكتاب معروفين، ورغم طبعاتها الشعبية فهي تعتبر شيء مميز للقارئ الخبير، ثم حدثت أزمة خلال نشرها رواية حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر"، توقفت بعدها فترة ثم عادت باسم جديد هي "آفاق عربية"، وأنا أحرص كلما وجدت أي عدد من أعدادها حتى ولو لم أعرف الكاتب، وهل يستحق أم لا، أن أشتريه مباشرة لعلمي بأن الكتاب سيكون من النوع الثقيل المخضرم، ولم يخب ظني هذا العدد الذي اشتريته بعنوان "الخماسين" فمنذ الصفحات الأولى عرفت أن الكاتب متمكن رغم ضعف الإطار العام للرواية، لكن هذا النوع من الكتابة السلس المتمحور حول كتابة التحليل النفسي للأحداث يثير إعجابي على الدوام، والكاتب أردني يكتب من واقع تجربة عمله وإقامته بمصر هذه الخواطر السانحة في صورة رواية تتمحور حول تراب القاهرة المحمل بالخماسين في صيفها الخانق، وأسلوبه أشبه بأسلوب صنع الله إبراهيم، بل يكاد أن يكون تأثرًا في بعض ما قرأته، مجموعة فصول ذات عناوين جانبية تحمل معاني حياتية من عمل غالب هلسا الصحفي، هناك فصل عن تجربة زيارة لأمن الدولة تحت عنوان "عالم الطيرة والفزع" أكد لي جودة قلم غالب، شخصيات حياتية مثل قرني ومرسي وليلى هي نماذج واقعية أجاد الكاتب استغلالها في معين قصته غير المترابطة، الكاتب أراد تجربة الحداثة في باقي شخصيات القصة مثل وصف بعض التجارب الجنسية المغلفة بفلسفة كلامية طيبة والتجربة جاءت ضعيفة، غير أنها تلقي ضوءًا على اتجاه الكاتب الحياتي الأوروبي العاهر، هي قصة أعجبتني في المجمل، كنت قد أشرت أني قرأت في هذه السلسلة رواية طيبة للغاية هي السرداب رقم 2 لكاتب عراقي يدعى يوسف الصائغ، أعيد التذكير بها ضمن سياق الروايات الجيدة بالسلسلة، كذلك صدر ديوانين لنازك الملائكة ضمن السلسلة، وملحمة السراب لسعدالله ونوس، ودومة ود حامد للطيب صالح، وقرأت الحي اللاتيني لسهيل إدريس ووجدتها ثقيلة على القلب قد فات أوانها، أعكف الآن على قراءة عدد آخر من السلسلة للكاتب حنا مينه وهي رواية بعنوان "المصابيح الزرق" ربما كتبت عنها مراجعة بعد إنهائها، لله الأمر، قال القاضي أبو المجد: وعرَفتُ أيامَ السرورِ فلم أجدْ، كرُجوعِ مُشتاقٍ إلى مُشتاقِ.
قبل فترة حاولت إيجاد كتاب وروائيين أردنيين لكنني لم أصل إلى اسم كبير حتى وصلت إلى غالب هلسا وخاصة بعد ما قرأت عنه بأنه أحد البصمات العربية الرائعة، فقررت القراءة له آملًا أن أجد هذه البصمة.
الخماسين خيبت ظني، ولم أجد هذه الرواية العظيمة المنتظرة، تبدأ بطريقة جدًا جميلة، إلا أن غالب هلسا يأتي بشخصيات ثم يخفيها، وهكذا، تظهر شخصية فيتحدث عنها قليلًا، ثم يخفيها، حتى النهاية فيعود إلى الشخصية الأولى. يسهب في وصف الأماكن والدخول في نفوس الشخصيات بكلام لا يسمن ولا يغني من جوع، الشيء الوحيد الملفت في الرواية هو لغته الأنيقة، وعرضه الشيّق، وغير هذا لا شيء.
إذا كنت ترغب في التسلية المريحة التي تستهلك وقتك وتمنحك عالما يرضي مفهوما مسبقا لديك نحو الأدب بوصفه كلمات جميلة منسجمة تصوّر عالما يشبه الواقع في كثير من ملامحه لكن أحداثه مختارة بعناية وترابط لترسل إليك فكرة مجردة في النهاية ، فلا تنخدع بأول هذه الرواية لأنك لن تجد بعد مطالعة صفحات قليلة ضالتك ، إنها رواية تؤسس للحداثة العربية ، الأحداث ستتفكك ، الشخصيات ستتغيّر ، الوصف المكاني يشير إلى أعماق نفسية ، الأجواء الزمنية الخماسينية عنصر تشكيلي لاضطراب مشاعر البشر وأفكارهم وتصارع الذات الاجتماعية مع البعد النفسي الخفي المنطلق في الأعماق. الخماسين رواية متمردة على الشكل التقليدي للميراث الروائي المحدود الذي يكتفي من السرد بخط وضح متطوّر لحكاية ذات منطق ومفاصل وبداية تعد للأحداث واستهلال تتجمع فيه الشخصيات لتنطلق من علاقاتها عقدة واضحة يظل الراوي معالجا لها ، هذا لا يحدث في الخماسين ، إنها سرد متجاوز للسيرة والقصة القصيرة والحكايات الغربية والمقال العرضي والجدلي، إنها خواطر مثقف بلا حدود لا يفصل عالمه الخاص عن منتجه المغلّف بشكل جميل
رواية عبقرية الى حد كبير. دفق قصص سردية في جو خماسيني أقحم هلسة تفاصيله بنعومة؛ فتشعر بلزام استحضار ذلك الجو المغبر الكئيب بطوع وتحبب. غالب نفسه هو واحدة من شخصيات الرواية، وبالحديث عن نفسه وعلاقاته وافلاسه الأدبي وشح خياله في تلك الفترة، قرّب القاريء من واقع القصص ومن شخصه على الصعيد الإنساني والفكري (حقق ذلك ببراعة إن كان تجسيد لشخصه أم لا). غالب هلسا رمز ثقافي وعلامة فارقة بلا شكّ
كل هذا التدفق الصاخب الجميل في زمن واحد تجوب فيه خماسين الطبيعة والمشاعر والفكر الخماسين هي المرايا التي تنعكس فيها زمن السبعينيات بأحلامه وواقعه وما ضاع منه وما يمكن اقتناصه من عواصفه قانون جمالي يستخدمه غالب هلسا هو الظاهرة العارضة كيف نعرض عالما متعدد العناصر والأبعاد؟ لنبحث عن رمز تمثيلي لتكن لحظة أو مكان أو شيئا لتكن الظاهرة العارضة هي الخماسين نستطيع أن نرى فيها ذاك الوجود المنفعل للزمان والمكان رواية فيها أنا وأنت وهم، فيها الشارع والتروللي ووكالة الأنباء، فيها الحب والجنون، فيها الرغبة في المعرفة، والحيرة في الاختيار، والثورة على الجمود الجهل والتخلف، فيها غالب هلسا شخصيا باسمه وعمله في الترجمة وأصحابه مهم الكاتب ومنهم الفنان التشكيلي، فيهم إدوار الخراط وأنور كامل وحسن العجاتي، وأتيليه القاهرة، والشاي والقهوة والكتب والورق، وف��ها التشابك مع جذور الشعر القديم من الجملة الافتتاحية التي يذكر فيها الراوي المتنكر بضمير الغياب ليلى والوداع ويتابعها وهي ترحل كما كانت القافلة تسير في دهاليز الماضي، وما بين صوت الشخص الثالث في البداية وصوت المتكلم الذي نزع القناع في الفصل الأخير ستعيش في قاهرة السبعينيات مع رواية الروايات التي تربط بينها الخماسين الخارجية والداخلية والدرامية.. عمل يظل في قلبك وتتمنى لو كنت في قلبه رواية القاهرة دون ماكيت أو ترميز أو يوتوبيا أو ديستوبيا هنا القاهرة السبعينية يدور في خماسينها المثقف العربي العالمي الثقافة وتصاحبه أحيانا ليلى الفتاة الباحثة عن صور الوجود الممكنة والمستحيلة التي قليلا ما تراها بعد ذلك فقد غامت الأيديولوجيا في خماسين الانفتاح