ما من نبي إلا ودعى قومه إلى توحيد الألوهية، لقد كانت أول دعوة رسول بعد حدوث الشرك دعوةً إلى ذلك التوحيد {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}. ولأهمية هذا التوحيد وغلط الأمم بحيدهم عنه، والناظر إلى كثير من المؤمنين بوجود خالق لا يسلم من الانحراف عن هذا التوحيد، لأهميته وعظيم شأنه نبه إليه القرآن العظيم وأفصح عنه كل الإفصاح، وكتب الأئمة الأعلام في تقريره، ولكن -فيما نعلم- أول مؤلف مفرد في هذا الباب (توحيد العبادة) هو (تجريد التوحيد المفيد) للمقريزي الشافعي رحمه الله تعالى.
مؤلف الكتاب هو تقي الدين أبو محمد أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم المقريزي البعلبكي الأصل، المصري المولد والوفاة، الحنفي ثم الشافعي. قال عنه الحافظ ابن حجر "كان إماماً بارعاً مفنناً متقناً ضابطاً ديناً خيراً محباً لأهل السنة.." وأثنى عليه غير واحد من الأعلام الكرام ذكر شيئاً من ذلك المحقق في مقدمته.
في هذه الرسالة يتناول الإمام المقريزي الفروق بين الشرك والتوحيد، ويأتي بأنواع الشرك مثل الشرك في الألفاظ والسجود لغير رب العالمين، وشرك القدرية والمعطلة، والشرك في الربوبية كشرك الملاحدة والفرس وغيرهم. وإن كان الكتاب خاص في جملته بتوحيد الألوهية تأصيلاً وتفريعاً ودحضاً لشبهات الضالين المنحرفين عنه، فقد تطرق لموضوعات أخرى كأقسام الناس في العبادة وأصلها ولُبها ومذاهب الناس فيما يخص الحكمة من العبادة.
والحق أن الكتاب في جملته مستقى من تراث العلامة ابن القيم رحمه الله، لاسيما (الجواب الكافي) و (مدارج السالكين)، يذكرني هذا بصنيع شارح الطحاوية -على مؤلفها وشارحها الرحمات- أن بث كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رضي الله عنه- في الشرح دون الإشارة إلى ذلك. والسبب واحد معلوم، قاتل الله التعصب، فقد كانت العداوة والتعصب على شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه ومؤيديه مع مساندة السلطان في ذلك الوقت لخصوم الشيخ، زد على ذلك الخصومة التي كانت بين السلطان والمقريزي نفسه. وقد أشار المحقق إلى اعتذار لطيف من الإمام المقريزي بشأن عدوله عن التصريح بما استقى منه في قوله : "وهذا كتاب جم الفوائد، بديع الفرائد، ينتفع به من أراد الله والدار الآخرة".
أما عن صنيع المحقق فجزاه الله خير الجزاء، قدم للكتاب بترجمة نافعة كافية شافية عن المؤلف حياته وعلمه وثناء العلماء عليه، ومصنفاته لاسيما هذه الرسالة وطبعاتها ومخطوطاتها. أثبت الفروق المهمة في الهامش وأغفل عما لا فائدة من ذكره إلا إثقال الهوامش بما لا يفيد. أيضاً وضع عناوين على هوامش الكتاب لإبراز مباحث الكتاب = وهو ما جعل الكتاب أكثر تنسيقاً وتنظيماً وتخطيطاً.
=====
كتاب: تجريد التوحيد المفيد
تأليف: الإمام العلامة أحمد بن علي المقريزي المصري الشافعي
تحقيق: د. محمد بن علي العمران
دار النشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع
الطبعة: الثالثة 1436 هـ / 2015 م
عدد الصفحات: 112 صفحة