مشروع تجميع الأعمال الكاملة للشاعر الفلسطيني الشهيد عبد الرحيم محمود، استغرق من المحقق الدكتور عز الدين مناصرة أربع سنوات كاملة!، فيها تم جمع قصائد الشاعر، ومشاركاته الأدبية النقدية.
هو أبو الطيب عبد الرحيم بن محمود، ولد عام 1913م بفلسطين لأبٍ عالمٍ جليلٍ هوالشيخ محمود، الذي كان مثالاً للصمود والتحدي ومواجهة الظلم والظالمين، وكان بالمرصاد لكل رذيلة حتى مات عام 1919م، ومن هذا الأب العظيم انحدر الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، فرُبِّيَ طفلاً على قيم الجهاد وبُثت فيه روح الثورة، وتولَّى أساتذته في مدرسة النجاح تهيئتَه وإعداده، ومنهم أستاذُه: إبراهيم طوقان، الذي نمَّى فيه وفي زملائه روح الجهاد الأبيّة لقتال البريطانيين والصهاينة، ثم تخرَّجَ عبد الرحيم محمود في تلك المدرسة، وعمل بها مدرسًا للأدب العربي يربِّي رجالاً ويُعِدّ أبطالاً حتى تركها؛ ليشارك في معارك ثورة عام 1936م.
عاش عبد الرحيم محمود حياته كلها في النصف الأول من القرن العشرين (من 1913 ـ 1948)، وهي فترة مملوءة بالأحداث الجسام في تاريخ العالم الإسلامي المعاصر، بدءا بإلغاء الخلافة العثمانية سنة 1924، واحتلال الإنجليز والفرنسيين للعراق وسوريا الكبرى (سوريا ولبنان وفلسطين) (1917 ـ 1920)، وصدور وعد بلفور 1917، وفرض الانتداب البريطاني على فلسطين 1922، وقيام الثورة العربية الكبرى في فلسطين (1936 ـ 1939)، وانتهاء برحيل الإنجليز عن فلسطين وقيام الدولة الصهيونية 1948.
قبل ثورة عام 1936م كان جهد عبد الرحيم محمود مقصورا على العمل السلمي، خاصة في مدرسة النجاح التي عمل فيها مدرسا للأدب العربي، حيث كان يبث في تلاميذه روحًا مُحِبَّةً للدين عاشقةً للوطن. وبعد اندلاع الثورة بدأ الجهاد بالسلاح، فاشترك في المعارك التي دارت أثناء تلك الثورة حتى أصيب.
وفي عام 1939م اضطر ـ تحت ضغط الاحتلال والمطاردة ـ أن يهاجر إلى العراق بعد استشهاد القائد المجاهد "عبد الرحيم الحاج محمد"، وتضييقِ الخناق على الثوار، فالتحق بالكلية الحربية في بغداد، وتخرج فيها ضابطًا، وواصل جهاده للإنجليز هناك، وكان أحد رجال ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941م، لكن هذه الثورة أخفقت، فعاد في نفس العام إلى فلسطين، وتزوج عبد الرحيم محمود بابنة خاله، وأنجب منها.
وبقيت فلسطين خاضعة للاحتلال الإنجليزي الذي جاءه ما يشغله؛ إذْ دخل حربًا عالمية طاحنة في مواجهة دول المحور. كان الأمير سعود بن عبد العزيز في زيارة للقدس عام 1935م، فاستقبله الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود بقصيدة جاء فيها:
يا ذا الأمـيرُ أمـامَ عينك شاعـرٌ ضُمت على سود الهموم أضالعُهْ المسجـد الأقصى أجـئتَ تـزورُه أم جئت من قَبْلِ الضياع تودِّعُهْ حَـرَمٌ يُبـَاح لكـل أحـمقَ آبِـقٍ ولكل أفّاقٍ شريدٍ أرْبُعُـهْ وغَدًا ـ وما أدناه ـ لا يَبقى سوى دمعٍ لنا يهمي وسِـنٍّ نَقْرَعُهْ
بدافع إسلامه وعروبته ونشأته وإقامته في فلسطين، كان بيت المقدس دائمًا في خاطره، في كل موطن جاهد وقاتل فيه، داخل فلسطين وخارجها، ولقد صيَّرَ من الأرض المقدسة كتلةً متوهجة في قلب وضمير كل مسلم بما أرسله من عذب شعرِه الرصين. ومما قاله مخاطبًا المسلمين عامةً وأهلَ فلسطين خاصة:
قل: لا، وأتبِعْها الفِعَالَ ولا تخفْ وانظر هنالك كيف تُحنى الهامُ اصهر بنارك غُلَّ عُنْقِكَ ينصهر فعلى الجماجم تُرْكَز الأعلامُ وأقم على الأشلاء صرحك إنما من فوقه تُبنى العلا وتقامُ واغصِبْ حقوقَك قَطُّ لا تَسْتَجْدِها إن الألى سلبوا الحقوق لئامُ هذي طريقك للحياة فلا تَحِدْ قد سارها مِنْ قبلك القَسَّامُ
نال عبد الرحيم محمود تدريبا عسكريا في عام 1948م، وانضم إلى جيش الإنقاذ العربي معاونا لقائد فوج حطين، الذي أشعل الأرض نارًا في وجه اليهود في معارك عديدة وقطاعات مختلفة، حتىجاءت معارك قرية الشجرة في قضاء طبريّة بالقرب من مستوطنة "إيلانيا سَجيرا" اليهودية؛ ففي فبراير من عام 1948م قُطعت المواصلات المؤدية إلى المستوطنة، واتسع نطاق المعارك ليتحول في أبريل من العام ذاته إلى معارك عنيفة للغاية، ازدادت ضراوتها بإعلان قيام دولة إسرائيل في مايو 1948 ودخول قوات من الجيوش العربية إلى فلسطين بجانب المجاهدين الفلسطينيين، وفي البداية كانت كِفّة العرب راجحة بوضوح، وبدأ اليهود يتراجعون تحت ضغط ومطاردة الجيوش العربية، في حين قامت المدفعية العربية بقصف مستوطنة "سجيرا"، وأصبح المقاتلون العرب على أبوابها.. وهنا أُوقف القتال تنفيذًا لاتفاقية الهدنة الأولى، التي استغلها اليهود في تقوية دفاعاتهم ومضاعفة تسليحهم، وبانتهاء تلك الهدنة قامت القوات الصهيونية بهجوم كبير على منطقة الشجرة مستخدمة ـ لأول مرة ـ الطائراتِ والمدفعية، فتساقط الشهداء العرب، وبدأت ذخيرتهم في النفاد،
عمل رائع بحق لأحد شعراء العصر الذهبي الفلسطيني، لشاعر ومقاوم ومناضل ... كانت بدايته بيت شعر، ونهايته قبر شهيد في معركة الشجرة!. عز الدين المناصرة بذل جهداً استثنائيّاً في التقاط قصائد الشهيد، ومقالاته أيضاً ... فيها نتعرف على أبي الطيب الثائر صاحب القصيدة النارية: سأحمل روحي على راحتي ... وألقي بها في مهاوي الردى ونتعرف فيها على العربيّ الذي لم يعش انتكاستهم لكنه رثاهم بقوله: أعمى ولو خُيّر في أمريه لاختار العمى كيلا يرى ذئباً ظَلوماً وضيعفاً ظُلما ولو لم يسمع الأنّات تعلو للسما من عالم تحت فؤوس الغدر خرَّ محطماً ما قيمة الأبصار تبصر في الوجود جهنما وهو فوق كل ذلك شاعر رقيق الشعور الإيمانيّ: عجبت لمعشرٍ فيهم كتاب .. به طرق الهداية كيف ضلوا؟! تباع بلادهم وهم عليها وأيديهم بها شح وبخل إلى القرآن عودوا يا حيارى ففي طياته عبر تدل هو القرآن ليس يفيه قول جليل من قوافينا أجل! وهو أيضاً داعية شاعر، ذو أسلوب لا يخلو من ظرافة ونطرفة: حوشوا بناتكم من الشوارع أو حتّموا لبس البراقع فبناتكن موائع وشبابكم والله مايع وهو فوق ذلك بالغزل مبدع: يا غزالاً صدني ما أجملك ... مبدع الأكوان ربي عدلك