إن الواقع المتردي الذي نعيشه الآن ، قد وصل إلى درجة من الإيلام والإيجاع والشراسة والتدني ، بحيث لم يعد الكاتب مستطيعاً أن يداري صرخة الألم . لذا أتصور أن له ملء الحق الآن أن يصرخ بأعلى صوته ، لأن الوقائع مبرحة الآلام لا تكاد تحتمل ، أصبح من حق الكاتب أن يعرب عن هذا الألم وأن يدين هذا الواقع روائياً بأعلى صوته . لكن هل يتشكل صراع على نحو ما بين المقاطع الشعرية في هذه الرواية ، وبين القصاصات الصحفية ؟ هل ثمة دلالة لهذه البنية التي تبدو لأول مرة متنافرة ؟ هنا قد أتفق إلى حد ما على أنه صراع ، ولكنه صراع جدلي، يندرج تحت ما أرجو أن يكون بنية موسيقية متعددة الأصوات ، أي بنية سيمفونية أو بوليفونية متعددة المقامات إن صح التعبير ، أي أنها ليست بنية من لحن واحد ، قد تكون أحياناً من ألحان ونغمات متنافرة ، ولكن ما أنشده .. أن يحكمها نوعٌ من التضافر البنائي .
يصوغ الخراط هنا بلغة صعبة ، متكاملة ، دقيقة ، رقيقة ، مكثفة ، وسخية ، محاولة محمومة لسبر أغوار الأماكن التي مر بها زيارةً أو نشأة . وفي هذه المجموعة المتفردة من التفاصيل الواقعية ، والموزعة سرداً بين السيرة الذاتية والرواية المجزأة قصصاً ، يدخل الخراط في تجاويف لُغوية لا يعرفها إلا الكتاب الحقيقيون ، تلك التجاويف التي قد تؤدي إلى الهذيان ، أو إلى الضياع وبعض الفصام ، قد لا يجدها البعض قراءة سهلة ، لكن في نهايتها ستترك فيه حتماً أثراً ما .