إنسان الإنسان .. قراءة وحفْر في جوهر الإنسان من خلال معناه في القرآن الحكيم ، وتحديداً في [ علم آيات الأنْفُس ] ، ذلك العلم الذي ننسى ضرورة الأخذ به توطينا لتعرّفنا على ذواتنا على الحد الأدنى ، وسبيلا إلى تجاوزها على الحد الأعلى .
إن الحضَّ الإلهي بـ ( وفي أنفسكم أفلا تُبصرون ) يأتي ضمن منظومة الوعي بالوجود من خلاله وقرينيه ( وفي الأرض آيات للموقنين ) وقوله في ذات الآية ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) ، وكم هذا التركيب مُدهشٌ في شموله لِذي تأمُّل .
ومن هنا تأتي الرغبة في الجمع بين [ التعريف ] الإلهي للإنسان كمقدمة لنتيجة [ التعرُّف ] الإنساني للإنسان .
هذا الكتاب على صغر حجمه إلا أنه يتطلب التأني والتعمق وأحياناً اعادة القراءة مرة آخرى لبعض الفقرات لما في الكلام من تركيب وما خلفه من عُمق.
كتاب مهم جداً لكل انسان يريد ان يتعرف على نفسه وعلى من حوله من بني الانس بطريقة بسيطة ..
قام الكاتب باختيار عشر آيات فيهن عشر خِصال أو صفات للانسان محاولاً من خلالهن التعرف على الانسان: العجل، الكدحية، القتورية، الكبدية، الكنودية، الجزوعية، الاغترارية، البصيرة، السعي، اليؤوسية.
انطلاقاً من هذه السمات حاول رسم صورة للانسان ومحاولاً من خلال ذلك تفكيكه والتعرف عليه ومن ثم تجميعه بعد ما فهمه ودرسه، ليصل بك بعدما ان تتعرف على انسانك وعلى انسان الاخرين الى درجة من الوعي بان الانسان السليم كائن زئبقي متغير غير جامد وبالتالي ادراكك لهذه الحقيقة سوف تتقبل وتتفهم التعددية وتتعايش مع الاخر عن رضا وفهم ..
وتوطيداً لهذا الطرح قدّم الكتاب:
أولاً بتبيان أن الانسان مشكلة وكائن معقد فعلاً .. يصعب على الانسان ان يفهم الانسان ويفهم نفسه! ولكن يجب علينا ان نحاول ان نقدم فهماً لهذا الانسان المركب بالبحث والمعرفة والاستكشاف والمواجهة والمرونة .. مركزاً على النقاط التالية:
-ان الانسان يجب ان يعيد اكتشاف ذاته في كل زمن وعصر وفترة لانه كائن متجدد. -وعلى الانسان ان لا ينظر للامور من زاوية الحشود فعادةً ما تكون عمياء. -وانه يجب على الانسان ان يقوده الوعي والوعي هو المراقبة والتوجيه. -وضرورة وأهمية دوام الانسان على التفكير والبحث والتمحيص.
وثانياً بالتعريف على الانسان الجامد المصاب بمرض "الآلية" وهو مرض يتحول الانسان الى آلة يعيش حياته على نحو مُمٓكْنٓن ومتكرر تخلو من الجرأة والمغامرة ىالاكتشاف والبحث والتجربة .. ولهذا المرض أعراض وملامح:
١- مريض الآلية في حالة نوم دائمة لا يقوم بشيء من منطلق الوعي (التوجيه والمراقبة) بل يتفاعل مع من حوله ضمن أُطر جاهزة مُعدة مسبقاً والنوم (غياب الوعي) عنده مهرب من الواقع ومكان يختبئ فيه انسحاباً من حياته خوفاً من مواجهة الحقائق والتساؤولات !
٢- مريض الآلية شخصية طقوسية قشورية صورية ، أفعاله وأقواله معدة ومبرمجة سلفاً ضمن قوالب جاهزة جامدة غير مرنة وبالتالي يكون غير مبدع وغير عفوي بل يصبح انسان عبارة عن تكرار تغلب على حياته الشكليات يعيش من أجل الصورة ليس لديه أي توجه داخلي ولا تعريف داخلي لسلوكه.
٣- مريض الآلية تتسم عقليته بالقطعية والوثوقية والحتمية فهو دائماً متأكد من كل شيء وبشأن أي شيء لا مجال للشك فضلاً عن الخطأ ، فالشك عنده ملازم الجهل والجهل علامة ضعف كما أن الشك يستلزم التحقيق والبحث وهو غير مستعد لذلك!
٤- مريض الآلية يحاصر نفسه بالماضي والمستقبل ولا يعيش الحاضر اطلاقاً، يرى بالماضي اما زمن جميل وامجاد لا يقاوم مغادرته أو أنه ذكرى جرح وآلم لا يندمل! ، اما المستقبل فهو ذاك المجهول الشرس، بين هذا وذاك يضيع حاضره.
٥- مريض الآلية لا يؤمن بفرديته على الاطلاق، يخاف ان يثق بنفسه ويحبذ العيش في ظلال القطيع أو الحشد ، هرباً من مسؤولية البحث وفزعاً من همّ استكشاف الحقائق ، لانه ببساطة يخاف من ان يفقد نفسه وسط الحشد فيجد نفسه وحيداً.
٦- مريض الآلية جدّي ويريد من الجميع أن يكونو كذلك جديين الى درجة البؤس! هكذا يتصور الانسان الناضج.
٧- مريض الآلية فاقد لمشاعر الرحمة والرأفة ويكون شديد القسوة على نفسه وعلى الآخرين.
في هذا الكتاب يجول الطبيب الكاتب د. عبد الرحمن البوق بقلمه بين العلوم الإنسانية دون أن ينغمس في تعقيداتها الأكاديمية .. إنما يسترشد بكل منها بسببٍ نحو الإنسان -و نحو ذاته ربما- فهو ينظم عقد الاقتباسات الكثيرة من الفلسفة و الأدب و العلوم الإنسانية المتعددة بخيطٍ من المعنى المتّسق كما أن رجوعه إلى أوصاف الإنسان في القرآن كان التفاتة حكيمة .. فالخطاب العلوي حين يصف الإنسان يختلف عن وصف الإنسان لنفسه لأنه خطاب الخالق إلى المخلوق؛ أي أنه خطاب فوق إنساني .. و هذه السمة بحد ذاتها تجعلنا أكثر استبصاراً و رشدا عند الاسترشاد بها لمحاولة فهم الإنسان .. و يبدو أن هذه الالتفاتة كانت اقتراحاً نيّراً من المعلّم الفاضل د. علي أبو الحسن الذي يبدو أثر قلمه الرفيع بين ثنايا الكتاب ..
ختاماً أقول شكراً للكاتبين على هذه القفزة الجسورة نحو الإنسان :)
كتاب إنسان الإنسان هو تأمل عميق في خصائص وطبائع الإنسان والتعرف على الذات الإنسانية وعلم الأنفس من خلال وصف القرآن الكريم للإنسان وامتثال لقول الله تعالى (وَفِي أَنفُسِكُم أَفَلَا تُبْصِرُون)
"أن معنى دوام الإنسان على التفكر والتمحيص والبحث عن ذاته أمر ضروري وفائق الخطورة كذلك، ذلك أن من لم يتعرف على ذاته ويتجاوزها مرة تلو المرة ولم يعش الحياة ليدركها ويكتشف معناها فقد أصبح مجرد شيء أو مجرد آلة" عندما يعيش الإنسان حياة مكررة جامدة لا يجرؤ على المغامرة والاكتشاف والتجربة بل يستمر في جر نفسه ، ليس لديه توجه داخلي فالآخرون هم الذين يحددون توجهه
عدد الكتاب خصائص عدة تصف الأنسان لخصت بعضها: *البصيرة: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) أن الأصل في الإنسان الاستبصار وأننا نخطئ حين نتعامى فنتحاشى أن نكون كما أريد لنا أن نكون "نعتبر الوعي من أضعف الإدراكات لدى الإنسان والذي يعرقل سير الإنسان في دروب الوعي هو عيشه داخل أطره المعتادة والوعي هو قفزة خارج الإطار"
*السعي: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يُرى) إن معنى وجود الإنسان لا يتحقق إلا عند خروجه من ذاته إلى العالم ، تتبلور في علاقة الإنسان مع الآخر وسعيه في هذه الحياة ب(العمل) فيها وإعمارها وأن جزاء الإنسان يساوي عمله وسعيه (وأن سعيه سوف يُرى)
* اليؤوسية: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور) "كما أن الإنسان ما يزال حيًا فإن عملية نضجه هو أمر لا مفر منه وغايه النضج هو تحقيق الإنسان ذاته وفي كل مره يتسامى فيها الإنسان من ذاته الحالية إلى ذات أخرى في أي من تلك المواقف فإن حالة اليأس أو بشكل أدق حالة القلق هو ذلك الشعور الذي يقض مضاجع الكسل والرضوخ ويجعل الإنسان منا في حالة بحث دائم وتطلع مستمر"
* الكدحية: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه) "وصف الإنسان بأنه كادح فيه إلماح إلى أنه متسع الاحتمالات (قوة التحمل النفسي) وأن الكدح يمكن تعرفه ب (الضغط الذي يولد القدرة) ووصف سعي الإنسان بالكدح يعني سعيا خارج الطبيعة ويقال في اللغة الكدح : (الجري والاضطراب) وفي هذا دفع للإنسان خارج الرتابه والبقاء تحت رق الروتين"
"(الجهل) لايعني التخلف ، وهو اساس التقدم والانفتاح، والمرونة المطلوبة...و(التخلف) يكون بادعاء المعرفة و الفهم. الجاهل يؤمن بالنقص والقصور فيتغير، والمتخلف يبقى ويصر على حاله فلا يفعل".
الكتاب متميز بحق ، تكلم فيه الدكتور علي ابو الحسن عن الذات الإنسانية ومداخلها من منظور قرآني ومقاربته لها من منظور فلسفي .. الكتاب سيقربك من نفسك ، سيكشف لك مالاتعرفه عن ذاتك رغم أن الكتاب صغير في الحجم ، إلا أنه عميق جدا في المعنى .. هذا الكتاب سيوضع في الرف الأول في مكتبي ، وهوا مخصص لكتب "اقرأه مرة أخرى" .. :)
"إنسان الإنسان ليس دعوة للوحدة والإنعزال بل دعوة لأن يفهم الإنسان نفسه فهماً يليق به. ذلك ان التفات الإنسان لذاته وجوهره امر يفوق صعوبة الارتماء في أحضان المجموعة" اجمل وأعمق ما قرأته في الكتاب ، شكراً للصديقة العميقة اسماء على هذا الكتاب.
إنسان الإنسان.. عنوان عجيب، لكن لا عجب، فهو يحفر عميقا في جوهر الإنسان من خلال النظر في آيات القرآن التي ذكر فيها "الإنسان".. كتاب جميل، وعميق في المعنى، رغم صغر حجمه..
عميق جداً وكأنك في رحلة تخوضها في نفسك للانسان قيمة وهذا الكتاب ان لم يعطيك قيمة سيساعدك ان تبحث عنها..
الاقتباس أدناه كان الأقرب لقلبي ✨ (بداخل كل واحد منا بركان يأس ضامر تفجره المصائب المتوالية والتحديات المنتهية بالخسارة، والآمال التي كسرها سجّيل الخيبة .. وقد يكون المحفز الأعظم لغضب ذلك البركان هو فقدان الأنسان للتروي والتؤدة وتعامية عن رؤية الخير في لُب لحظات الكرب).
في جزء البصيره الصفحة ٧٩ أعدت قراءة الوعي جسدياً اكثر من مره يتحدث فيها الكاتب عن تعذير الانسان لنفسه وإيمانه داخليا بكل الاعذار اللتي يختلقها وبالتالي يسير وفق أعذاره لا قدراته ومنطقيته ، بشكل عام الكتاب رائع يجعلك تقف كثيراً متأملاً فيه قبل تأملك في نفسك.