أعاذك الله من وطأة الثقلاء، وجنّبك مجالسة غير الفضلاء، وأعانك على تهذيب شعث طباعك ومعايب أخلاقك لئلا تكون إلى الذين فررت منهم أقرب من الذين إليهم فررت.
أما بعد فهذا كتاب أُثقل بأخبار الثقلاء ولم يُثقِل، ولكنّه كان أُنسًا للجليسِ عبرةً للمعتبر، وفيه نزهة لمن أراد التنزه وفسحة لمن أراد التفسّح ونادرة ظريفة، على أنّ فيه من الأخبار ما لا يتّصل بموضوغ الكتاب إلا بتأويل، وفيه ما يُستغرب، ومن ذلك ما يستبعده طبع العاميّ فضلًا عن عقل العالِم؛ وهو ما نقله عن استثقال الإمام علي -عليه السلام- مالكًا الأشتر! وهل في الناس مثل مالك؟ كان لأمير المؤمنين كما كان أمير المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وآله¹. هذا وقد علّق المحقق على تينك المسألتين في مقدمته.
نسأل الله أن يريحنا ويريحكم من الثقلاء فإن مجالستهم كما قيل: حمّى الروح، ونسأله تعالى ألّا يجعلنا وإياكم منهم فرُبّ ثقيل لا يدري أنه ثقيل.
"ذكر المدائني عن بعض رجاله قال، كان يُقال: عوّد نفسك الصبر على مجالسة الثقيل؛ فإنه لا يكاد يخطئك"²
"ورُوي عن أبي حماد بن أبي سليمان قال: من خاف أن يكون ثقيلاً فهو خفيف ومن أمِنَ أن يَثقُلَ ثَقُل!"³
__________ ¹ نقلت هذا القول عنه -عليه السلام- مصادر عديدة نذكر منها: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ج15، ص98. و"عن فضيل بن خديج عن أشياخ النخع: دخلنا على علي (عليه السلام) حين بلغه موت الأشتر، فجعل يتلهف ويتأسف عليه، ويقول: لله در مالك! وما مالك! لو كان جبلا لكان فندا، ولو كان حجرا لكان صلدا، أما والله ليهدن موتك عالما، وليفرحن عالما، على مثل مالك فلتبك البواكي، وهل موجود كمالك!!" الثقفي، إبراهيم بن محمد، الغارات، تح: السيد جلال الدين الأرموي، ج1، ص265. وللشيخ محمد صنقور مقال مفيد حول معنى العبارة الأولى منشور على موقع حوزة الهدى بعنوان "قولُ عليٍّ (ع) لمالك: كان لي كما كنتُ لرسول الله (ص)".
² ذم الثقلاء، ص80.
³ كذا ورد في: السيوطي، إتحاف النبلاء بأخبار الثقلاء، تح: محمد بن سليمان مال الله، دار التواصل بين المشرق والمغرب للنشر والتوزيع، ص21-22. والظاهر أنها (روى) أي (الخلّال) وليست (رُوي) كما أثبت المحقق. وورد في الكتاب الذي بين أيدينا أعني كتاب ابن المرزبان هكذا: "حدثنا أبو بكر العامري، [حدثنا] عبدالرحمن بن أبي صالح، حدثنا يونس بن بكير عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبيه قال: من خاف أن يكون ثقيلًا فهو خفيف." راجع ذم الثقلاء، ص53.
قال أبو الصغدي الحارثي: أتيتُ عوانة بعدما كُفَّ بصره، فسلمت عليه ثم قلت: إن الله لم يسلب عبدًا شيئًا إلاّ عوَّضه مكانه شيئًا هو خيرٌ منه، فما الذي عوَّضك من بصرك؟ قال: ألاّ أراك، ولا تقع عيني عليك
ـ عن عمر بن الخطاب قال كنت جالسا عند النبي فقال ألا أخبركم بخير أئمتكم قلنا بلى يا رسول االله قال الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم ألا أخبركم بشرار أئمتكم قلنا بلى يا رسول االله قال الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم.
ـ من خاف أن يكون ثقيلا فهو خفيف.
ـ أما الحبيب فلا يمل حديثه ... وحديث من أبغضته مملول وترى على وجه الحبيب بشاشة ... وعلى البغيض وخامة وخمول وتدير طرفك للحبيب مودة ... والطرف من دون البغيض كليل
ـ قال يحيا بن سعيد لرجل: لأن تضربني ضربة بالسوط أحب إلي من أن تسألني عن حديث.
ـ قال رجل لهشيم بن بشير: حدثنا. قال: لا أقول. قال: إذن أتركك. قال: إذن لا تستوحش لك الدار.
ـ عن أبي الحسن القرشي قال أتي الحجاج بأسيرين، فأمر بضرب أعناقهم، قال أحدهما: أصلح االله الأمير إن لي عندك يدا. قال وما هي قال ذكر ابن الأشعث أنك إبليس فنهيته. فقال ومن يعلم ذلك قال هذا يعني الأسير الآخر فسأله الحجاج فقال قد كان ذاك فقال الحجاج فلم لا تفعل أنت كما فعل قال أينفعني عندك ذلك قال نعم قال لبغضك وبغض قومك. قال الحجاج خلوا عن هذا لصدقه وعن هذا لفعله.
ـ قال جبريل وهو متطبب كان بالشام: نجد في كتابنا أن مجالسة الثقيل حمى الروح.
ـ قال المدائني: كان يقال: عود نفسك الصبر على مجالسة الثقيل فإنه لا يكاد يخطئك.
ـ الأنس بالثقيل علامة الثقل لأن كل طير يطير مع شكله.
ـ عن يمان بن ربيعة أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: ثبتك الله يا أمير المؤمنين. قال: على صدرك.
ـ عن قيس بن الربيع قال كنا عند الأعمش فدخل الثقال علينا فما لبث أن خرج ثم رجع فقال فررت منكم إلى البيت فإذا ثم من هو أثقل منكم فرجعت إليكم يعني زوج ابنته.
ـ وكان يقول من ثقل عليك بنفسه وغمك في سؤاله فألزمه أذنا صماء وعينا عمياء.
ـ عن العباس بن يزيد قال أهدى رجل إلى الأعمش بطيخة فلما أصبح جلس الأعمش فقال له الرجل يا أبا محمد كيف كانت البطيخة قال طيبة ثم عاد ثانية فقال طيبة ثم عاد الثالثة فقال الأعمش إن كففت عني وإلا تقيأتها.
ـ عن معمر قال ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: محادثة الإخوان وأكل القديد وحك الجرب وأزيدكم زيادة الوقيعة في الثقلاء وتمثل بهذا البيت: ليتني كنت ساعة ملك المو ... ت فأفني الثقال حتى يبيدوا
ـ كلما قلت خلا مجلسنا ... بعث الله ثقيلا فجلس ليت من كان بغيضا وخما ... طمسته الأرض عنا فانطمس
ـ قدم علي أبي الشمقمق ابن عم له من البصرة زائرا فأقام عنده أياما ما قدم إليه شيئا وخرج فأنشأ يقولـ: ألا يا أوخم الثقلين طرا ... وأثقل ما تردد في الصدور رأيت كأنما الرحمن ربي ... براك اليوم من صم الصخور فلا تبغي الشخوص ولا تشكي ... ولا تبلى على مرالدهور قعودك ما قعدت علي غم ... وقد أكننت بغضك في الضمير فلا والله لا أنساك حتى ... يسيرني الرجال إلى القبور ولو في جنة كنا جميعا ... ننعم في الخيام وفي القصور إذن خليتها وخرجت منها ... لبغضك وانتقلت إلى السعير
ـ كان الأسود إذا رأى ثقيلاً يقول: استراح الأضرّاء أن ينظروا إلى من يبغضون.
ـ قال رجل للشعبي ما زلت في طلبك فقال الشعبي وما زلت منك فارّاً.
ـ قال رجل للأحنف بن قيس وكان يجالسه: يا أبا بحر هل زنيت قط؟ فسكت الأحنف ثم أعاد عليه فقال أما منذ أسلمت فلا. ثم لقيه بعد ذلك فقال يا أبا بحر هل تعرفني قال نعم أعرفك جليس سوء.
ـ كان الأعمش يقول: من أكره أن أنظر في وجهه فكيف أحدثه؟
ـ عن عطاء بن السائب عن عامر أن عمر بن الخطاب قال: إني لأبغض فلانا. فقيل للرجل ما شأن عمر يبغضك فجاءه فقال يا عمر هل فتقت في الإسلام فتقا أم جنيت جناية أو أحدثت حدثا؟ فقال لا. فقال علام تبغضني؟ قال فسكت عمر عنه.
ـ عن علي بن جعفر الكاتب قال كان رجل يجالس ابن المقفع فيكثر الكلام ويطيل الجلوس فكان ابن المقفع يستثقله فجاءه يوما وقد تناول دواء فقال لغلامه استأذن لي عليه فقال له الغلام قد أخذ دواء وليس إلى ذلك سبيل. قال فكتب في قرطاس: هل لذي حاجة إليك سبيل ... لا يطيل الجلوس إلا قليل قال ثم رمى بالقرطاس في الدار فعرفها ابن المقفع فنظر في الذي كتب وكتب في أسفل من ذلك الكتاب: أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وقليل من الثقيل طويل
ـ قال ابن المرزبان أنشدني أبو بكر العامري قال: وتاركة للبيت من بغض بعلها ... كأن بعينيها قذى يتململ أضر بها هم من الثقل أنها ... رأت بعلها بين العمودين يحمل
كتاب خفيف الظل عن ثقلاء الظل في التراث الاسلامي فكرة جميلة وربما غريبة ان يوثق محمد بن خلف بن المرزبان احاديث الهجاء واشعاره عن ثقلاء المجالس انصح بالكتاب للمطالعة