إن لفكر آرندت مخارج هي تسريحات للتفكير، من حيث الخروج عن أطواق السنن الفلسفية الجامعية والفكرية في آن، وَإِنَّ لفكرها أيضاً مذاهب هي مسالك وسبل تفكير تتوخى تحريراً للتفكير الفلسفي من إشباعاته المتراكمة ودفعاً به إلى مجابهة العالم والأحداث والأحوال.*
عن فهم الواقع وعلاقة الفكر بالواقع والعلاقة التبادلية بينهما.
اعتبرت حنة آرندت نفسها مفكرة حرة لا تنتمي إلى دائرة الفلسفة، متجاوزة بذلك تقاليد التفكير كلها. أو حسب قولها : ((أنا غير قابلة للضبط)). وصفت بغجرية الفكر وقال عنها ريكور" كل حنة آرندت تخفي حنة آرندت أخرى."
وكما قالت في حقها آن مندلسن: "إن حنّة كانت تقرأ كل شئ . وتعني بكل شيء الفلسفة، والشعر، وخصوصاً شعر غوته، والكثير الكثير من الروايات الرومانسية، الألمانية والفرنسية، والروايات الحديثة، التي تعتبر غير ملائمة لشابة."
تعلمت الصرامة الفكرية من أستاذها هيدغر ، كما تحتفظ بالصرامة المفاهيمية من أستاذها أرسطو . تقول : "أبدأ ، دائماً كل شيء - وأنا أقول : إن A و B ليسا نفس الشيء . وهذا تعلمته طبعاً من أرسطو . " كما تعلمت الاستقلالية الفكرية من القديس أغسطين. هؤلاء كان لهم الأثر الكبير في تشكيل بنياتها الفكرية المتعددة المشارب. كما شكل مسار حياتها الكثير من رصيدها الفكري؛ و كان قراءة لما حدث في حياتها. كانت الأفكار لديها كما عرَّفها المفكر نصر حامد أبو زيد "عبارة عن استراتيجيات تنتج المعرفة بقدر ما تصنع الواقع."
". think what we are doing"
تختصر هذه العبارة كل أسلوب آرندت وعلاقته بكل من الفلسفة والسياسة معاً .
لم تكن آرندت تبحث عن "الإيمان بفلسفة كلية" كما أراد هوسرل أن تكون مهمة كل فيلسوف ، بل اختارت الخروج من الفلسفة كلياً حتى تتفكر عالم الحياة ولا تجبر على الالتزام بالابستيمي الفلسفي. أو كما ذكرت " بعيون صافية من كل فلسفة". بدأ هم الفهم لدى آرندت في أول أعمالها " رحيل فارنهاجن، حياة يهودية " . وهي تتحدث في أولى نصوصها عن الدرس الأول والأهم في حياتها "تحول القدر الشخصي إلى قدر فكري." وأول ماحاولت فهمه هو وجودها بصفة مواطنة منبوذة وإمرأة مرفوضة من الرجل والعالم معاً!
لقد عاشت آرندت لحظتين هامتين في حياتها: لحظة هيدغيرية - ولحظة مضادة للهيدغيرية. وفي كلا اللحظتين لم تخرج من عباءة أستاذها بشكل تام. كما لا يمكن فصل هذين اللحظتين بحد واضح، لأنها كلما خرجت من دائرة هايدغر عادت مرة أخرى، وهكذا كانت تخرج وتعود . لم تستطع الشفاء من تأثيره عليها.
وكان كذلك لكل من كارل ياسبرس و بليمفليد تأثير على وعيها ونضوجها الفكري والفلسفي والروحي.
في العام 1933 ، بدأت حياتها الفكرية من جديد من خلال انبثاق فكرها عن مخرجين: أولهما يتعلق بخروجها عن الطرح الديني للتهود إلى الانتماء اليهودي بما هو انتماء سياسي بالدرجة الأولى، حيث بدأت أولى إشكالات آرندت مع البحث السياسي من خلال طرحها لمسألة (التهود) أو (اليهودانية). فترتحل في البحث في معناه لا سيما معناه اللاديني - (الاجتماعي والسياسي.) وإشكال الهوية -وهي البداية لفهم ماذايحدث؟ و لماذا يحدث ذلك؟ مالذي يجعل الإنسان من أصل يهودي منبوذاً ومرفوضاً من العالم؟ وتطرح عدة تساؤلات فلسفية : ماهي الظروف الأنثروبولوجية والأسباب السياسية التي تحول الإنسان إلى منبوذ في العالم؟ وكيف يمكن العيش بشعور الوجود الزائد وغير الملائم؟
اتخذت آرندت من حياة مثقفة يهودية تدعى ( رحيل فارنهاجن) ركيزة في البحث عن معنى الوجود اليهودي في عصر الأنوار وقارنته بالوجود اليهودي أثناء الحربين العالميتين أو ما تسميه آرندت فيما بعد بالأزمنة المظلمة. إضافة إلى قراءة تاريخ اليهود في أوروبا لاسيما من يقطن أحد مستعمراتها والمتمثلة في ( مستعمرة فرنسية - وهي الجزائر.) شكلت بيوغرافيا " رحيل " جزءاً رئيسياً من لبنات فكر آرندت وفلسفتها السياسية . حيث جعلت من "رحيل "مثالاً بإطلاق لكل الأفكار التي أرادت أن تنسجها حول الواقع الاجتماعي والسياسي للوضع اليهودي.
" ليس من حقي أن أقوم بأي اختيار ولا أي قرار ولا أي تصرف . أنا لا شيء ، لست إمرأة ولا أختاً ولا عشيقة ولا زوجة ولا حتى مواطنة." / وتقول كذا " لتمنحني العدالة الأبدية القوة ، حتى أقول الحقيقة بأعلى صوتي وبكل القوة التي أشعر بها في روحي " (مقتطفات من نص رحيل فارنهاجن- حياة يهودية).
تفول آرندت: "إذا أردنا أن نكتب التاريخ الفكري لعصرنا ، ليس باعتباره تاريخ أجيال متعاقبة حيث يتعين على المؤرخ أن يلتزم حرفيا، بتسلسل النظريات والمواقف ولكن من خلال بيوغرافيا شخص منفرد، فإننا لا نلتمس سوى تقارب بلاغي لما حدث داخل أذهانهم."
فبالنسبة لها فان فهم التاريخ والأحداث عبر دراسة بيوغرافيا فرد واحد تنيرنا وتغنينا عن دراسة تاريخ الجيل دفعة واحدة. وتبرر ذلك بعلاقة الفكر بالحدث / أو مايسمى بالعبور من بيوس إلى بيوس آخر. فقد ربطت آرندت بين التفكير والحدث في أكثر من مناسبة.
ولقد شكل استعمال ( سيرة الحياة/ البيوغرافيا) أسلوب آرندت الأصيل لا في الكتابة وحسب بل في نمط تفكيرها.
ترى آرندت أن الشعور بالانتماء اليهودي لدى اليهود أضحى يكبر ويزداد كلما وقع إقصاء اليهود سياسياً وكلما تقلص التهود الديني. وتسمي هذه المسألة " بهوس الشعور بالانتماء" كما تذكر آرندت إن هوس اليهود بيهوديتهم ليس له أسباب مرتبطة بالتدين ولا بالتسييس، بل هي مسألة أنثروبولوجية مرتبطة بشيء ما خفي!?
" إن الفكرة الأساسية التي تقنع بها آرندت أي قارئ ، هو أن هناك وجوداً يهودياً يلاحق كل اليهود."!?
قضيتي دريفوس و كريميو تشرح من خلالها آرندت بعض أسباب بداية اندلاع معاداة السامية في فرنسا-وكراهية ومعاداة اليهود في الجزائر.
هنا موجز لقضيتي: دريفوس و كريميو:
"منحت الحكومة الفرنسية بموجب مرسوم كريميو الجنسية ليهود الجزائر بتاريخ 24 أكتوبر 1870. هذا المرسوم لم يمكّن المسلمين من الاستفادة منه، ذلك أنهم لم يقبلوا كما اليهود، أن يحرموا من محاكمهم الدينية، وأيضاً لرفضهم الخدمة العسكرية رمز المواطنة الفرنسية. إن مرسوم كريميو هذا، كان سبباً في تفجير العديد من ردود الفعل المعادية للسامية. ردود الفعل هذه التي كان يغذيها إدوارد درومون كما قضية دريفوس، التي دامت حتى مطلع القرن العشرين. في مؤامرة شبيهة بالّتي اتبعها تيتوس اوتس سابقاً, بنيت هذه الفضيحة على كذبة أثّرت بشكلٍ كبيرٍ في السياسة الوطنيّة وأدّت إلى سنواتٍ طويلة من الكراهية. كان ألفريد دريفوس ضابطاً يهوديّاً في الجيش الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر عندما أتهم بارتكابه جريمة خيانة, وبيع أسرار عسكرية إلى ألمانيا. بعد محاكمته الّتي حظيت بتغطية إعلامية مكثّفة, حَكمت السُلطات عليه بالسجن مدى الحياة في جزيرة ديفلز او جزيرة الشياطين واستخدمته الجماعات المناهضة للسامية كمثال عن اليهود الغير وطنيين.
بعد هزيمة فرنسا في يونيو 1940، شهدت الجزائر إحياء لمعاداة السامية حيث، خلال الصيف، عمت المنشورات والملصقات والشعارات أنحاء عديدة من المدن الجزائرية. وقوطعت المحلات اليهودية، ورفعت شعارات تطالب بإلغاء مرسوم كريميو وطرد اليهود من الجزائر. وأبرز القوانين الفرنسية التمييزية هذه ضد اليهودية وقعت في الفترة من 3 أكتوبر 1940، عندما صدر في فيشي قانون يضع مواصفات معينة لليهودي، تم تطبيقه في الجزائر، بفارق زمني، وفقا للحالة من عدة أيام الى عدة شهور. بجرة قلم، ألغت حكومة فيشي مرسوم كريميو في أكتوبر 1940، الذي يمنح اليهود كافة الحقوق المدنية مساوياً بينهم وبين الفرنسيين، والتي استفاد منها اليهود لمدة سبعين عاماً. كما حظر قانون 2 يونيو 1941 على اليهود ممارسة عدد كبير من الوظائف والمهن. بعد ذلك، أعيدت المواطنة الفرنسية رسمياً ليهود الجزائر في 20 أكتوبر 1943، بعد عام تقريباً من دخول الحلفاء. ومن 1943 الى 1945 شارك العديد من اليهود في المعارك في تونس، إيطاليا، فرنسا والمانيا. بعد انتهاء الحرب الجزائرية، نعم اليهود باستعادتهم ملكاً عزيزاً ألا وهو هويتهم الفرنسية. ومع هذا، فقد كتب المؤرخ بنيامين ستورا يقول "إن كان التمرد قد اندلع في الجزائر في نهاية العصر الفيشي، لكان اجتذب الكثير من التعاطف مع اليهود، لأنه خلال تلك الفترة المظلمة، لم يشارك المسلمون الجزائريون بأي عمل عدائي ضدها. وعندما بدأت حرب الاستقلال، تعرض اليهود لتحرشات من جميع الجوانب. لقد عاشوا الصراع بجو من الاضطراب والقلق، وأحياناً في نوع من تعذيب الضمير. ويوم 22 يونيو 1961، تم اغتيال المغني والموسيقي ريمون ليريت، الملقب بـ "الشيخ ريمون"، وهو واحد من كبار مشاهير الموسيقى العربية الأندلسية، برصاص مسلم جزائري، في قلب الحي اليهودي في قسنطينة. وكانت هذه بمثابة إشارة لرحيل قسري لـ 130 الف من اليهود، ونهاية فترة طويلة من وجودها في شمال افريقيا." -بتصرف.
وثانيهما/ المخرج الفكري الثاني: يتعلق بتحول الاهتمام بالفلسفة إلى الاهتمام بالسياسة .
" إن الانسان لا يوجد في السياسة إلا إذا حصل على نفس الحقوق التي يضمنها له الأفراد الآخرون الأشد اختلافا عنه." آرندت
في فكر آرندت.. هو أن إخراج الحرية من الإرادة الحرة ، هو أول خطوة تخطوها لإخراج السياسة من التقليد الفلسفي ومن الفلسفة السياسية . فهي في الواقع ضد تأثيرات فلسفة الذات على الفلسفة السياسية ، منذ أفلاطون مروراً بروسو ووصولاً إلى ماركس.
" إن السياسة تظهر في الفضاء الذي يشترك فيه الناس" آرندت
-مهمة الفكر في نظر آرندت لا تقوم على التفكير بالوجود، بل على " أن نتفكر الفكر انطلاقاً من العالم، بدلاً من أن نتفكر الوجود انطلاقاً من الفكر ." تقول بأن أي توظيف للعقل لخدمة أي جهة يعتبر خيانة للفكر، فالفكر عندما يأخذ وظيفة سياسية " لا ينتج أحزاباً بل فرقاً، ولا ينتج مدارس، بل نماذج." فان توظيف الفكر تحت راية أي شعار ، ومهما كان هذا الشعار نبيلاً، خيانة تمسخ الفكر والمفكر معاً. وهنا نلمس إشكالاً في مفهوم آرندت للفكر والتي تجعل "الالتزام بأي قضية" خيانة للفكر!؟
العالم كما عرفته آرندت في نص " مالسياسة؟ "هو الفضاء الذي يخلقه أناس مختلفون كلياً ومتساوون كلياً."
*العالم في النظرية السياسية الآرندتية: تستعمل آرندت أربعة مفاهيم لتقدم مفهوم العالم : "الفضاء العمومي "وفضاء الظهور" والعالم" والوجود- المشترك". والتي وظفتها في أهم نصوصها الفلسفية حول السياسة: " حياة الفكر"، " وضعية الإنسان الحديث"، "ماهية السياسة". حيث يتشكل الفكر السياسي لدى آرندت حول مفهوم أساسي هو (الظهور) اذ يتجلى كيف أن تلميذة هوسرل و هيدغر ظلت وفية لحد بعيد للفينومينولوجيا الألمانية .
* المواطنة و المسؤولية الجماعية: تطرح آرندت في نص " وضعية الانسان الحديث : سؤال في غاية الأهمية: " كيف يمكن أن نفجر ونعيد تنظيم المجتمع الجماهيري الحديث، بحيث نبلغ حرية رأي حقيقية، خلافاً عقلانياً بين آراء مختلفة وبالتالي ننتهي إلى مشاركة مسئولة لكل واحد في المسائل العمومية؟" فلا العادات ولا التقاليد ولا الأخلاق ولا حتى الضرورة والحتمية المتمثّلة في " الواجب" تضمن المشاركة المسئولة . إن مايضمن المواطنة الصالحة على حد قولها شيء واحد " هو القدرة على التفكير "! وبعبارة أخرى " وجود أفراد طيبين متدينين لا يكفي لتكوين مواطنين مناسبين". بل على العكس قد يعرقل مسار المواطنة!?
فالمواطنة تظهر لدى آرندت كشرط لحماية الانسان وشرط كذلك لحماية العالم . وفضلاً عن ذلك يرتبط مفهوم المواطنة بالمسؤولية الجماعية اذ في اللحظة الذي يصبح فيها أي شخص مهما كان انتماؤه وتاريخة، مواطناً، فإنه يتحمل المسؤولية المعنوية والسياسية لما حدث في تاريخ وطنه مهما كان هذا التاريخ محملاً بأفظع الأحداث وأبشعها. ووفقاً للقراءة الآرندتية فأن اليهود لم يكونوا يوماً مواطنين، وهذه أحد أسباب انتشار معاداة السامية تجاههم عبر التاريخ.
مفهوم المواطنة يصطبغ بالفينومنولوحية لدى آرندت تماماً كالمفهوم الفينومينولوجي للعالم . فهي تعرف المواطن المشارك في العالم هكذا:" هو من يملك شغف الظهور لمنافسة الآخرين." وتقول آرندت أنه كلما قل ظهور المواطنين ومشاركتهم الحقيقية في السياسة، تظهر الأزمات السياسية وهو مايلخص مجمل الأزمات السياسية التي تعصف بعالمنا العربي.
بعد 1969 تعود آرندت لتفكر في ثلاثة أطوار والذي رسم ما تسميه " حياة الفكر "، (التفكير والإرادة والحكم). و هو محاولة إيجاد رابط بين الحياة التأملية والحياة العملية ، بمعنى إيجاد الفكر الذي لا يسمح فقط بفهم الواقع وحسب بل أيضاً امتلاك الأدوات للتأثير عليه، بمعنى أن آرندت " تتعقب الفحص عن الملكات العقلية التي تسمح للفكر بأن يصبح بالفعل سياسياً." فتطرح السؤال الفلسفي المثير لعدة إشكالات نفسية وذهنية:
ماذا يحدث عندما نفكر؟!
تقول " إن الفكر هو النشاط الوحيد الذي لا يحتاج إلا لنفسه حتى يتحقق ."
ثم تريد آرندت أن تبين من خلال نصها "حياة الفكر" أن هناك سياسة للفكر.
فإن طريقة آرندت تعتمد على عزل تجربة التفكير لتفهم كيف يتناسب التعدد الفينومينولوجي مع نشاط الفكر في شكل جمع أصيل، أي ماسماه ريكور ب- "cogito pluriel"
بمعنى آخر عزل تجربة التفكير ومحاولة فهمها بما هي " ظاهرة".
فإن الإنسان في النظرية الآرندتية يصبح واحداً عندما يخرج للعالم ويلتقي بالتعدد " الناس/ الوجود الإنساني" ويصبح مزدوجاً" الازدواج بين الأنا- والأنا المفكر بفضل ذلك الحوار الداخلي" عندما يعود إلى نفسه ويختلي بها.
*في تفسيرها لعملية الفهم ، فهي تعتبر أن الإنسان عندما يريد أن يفهم لا يكون مجبولاً بالبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن المعنى. تقول في نص "الإنسان المعاصر": إن العقل لا يبحث عن الحقيقة ولكن يبحث عن المعنى." أي يريد أن يجد تفسيراً حتى لو لم يكن هو الحقيقة أو حقيقة الواقع؛ بما مفاده أن هنالك أكثر من مستوى للفهم.
" إن الفهم عملية مركبة لا تعطي نتائج غير ملتبسة. إنه نشاط بلا نهاية، دائماً متغير ومتنوع، نقترب من خلاله من الواقع، نتصالح معه ونفرض على أنفسنا أن نكون في تناسق مع العالم." تقول آرندت.
* الرأي والحقيقة : "إن المرور من الحقيقة العقلانية إلى الرأي ، يقتضي المرور من الإنسان في صيغة المفرد إلى الناس في صيغة الجمع."
إن المرور من الحقيقة إلى الرأي، هو انتقال من الفلسفة إلى السياسة وهو انتقال من المفرد إلى التعدد(الناس ).
فبين شمولية وكلية الحقيقة الفلسفية ونسبية الحقيقة السياسية نجدنا أمام مأزق يتعلق بفكر آرندت نفسه، حيث يكون التصور الآرنديتي المتمثل في حب العالم في صراع وتناقض مع الحقيقة الفلسفية والحقيقة السياسية في الوقت نفسه: فهي من جهة تنتقد الفلسفة لأنها لا تهتم بالناس " التعدد" ومن جهة أخرى تريد من السياسة أن تهتم بكل الناس " بالإنسانية جمعاء".
إن طموح آرندت هو وضع تصور للسياسة يتفكر مصالح الناس ( التعدد) ويحافظ في الوقت نفسه على الأرض " الطرح الإيكولوجي " ويحقق حب العالم بما هو قيمة أخلاقية وسياسية .
ترى آرندت أن السياسة هي ميدان الرأي ، ولكنها تصر كذلك على أنه كلما تحسن مستوى الرأي، تحسن مستوى الفعل السياسي .
" إن الاستعمال العام للعقل والحرية الفلسفية كانا شرطين فوق-سياسيين للسياسة لدى كل من كانط وسبينوزا ، كما أصبحت الحالة العامة للحقيقة شرطاً فوق- سياسياً للسياسة لدى آرندت."
إننا عندما نتحدث عن إمكانيات السياسة داخل الفلسفة ، نصطدم بحدود الحقيقة الفلسفية، التي أوصلنا إليها سقراط.
*لماذا تفشل فلسفة السياسة؟
إن التعارض الذي تعانيه آرندت بين شاغل الفلسفة والسياسة يكمن في أنه إذا كان الموت همّ الفلسفة، فإن الولادة هي هم السياسة?!
تطرح هذا التساؤل : " أين نكون عندما نفكر؟" جدلية الفكر لدى آرندت بين النظري - واللا-نظري. بين ماهو مفهوميّ وماهو لا-مفهوميّ .
" ولماذا علينا أو مالذي يجبرنا على أن نرث هذه العلاقة الانفصامية بين الفلسفة والسياسة؟"
فإذا كانت روح الفلسفة تختلط مع روح النظري فإننا نجد أن آرندت تفضل أن تتمسك بمفهوم "الظاهرة" في مقابل النظرية والفلسفة.
* إمكانية فلسفة سياسية حقيقية ؟
إن المبدأ الذي تنطلق منه آرندت في فهمها للسياسة والذي تختلف فيه عن مجموعة كبيرة من معاصريها، تقوله في هذه العبارة" إن سبب وجود السياسة هو الحرية."
تقول آرندت :" لست فيلسوفة ولكني أشتغل على النظرية السياسية . لقد درست الفلسفة كما تعلمون، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنني بقيت فيلسوفة." عندما سألها غونتر غراس في المقابلة التلفزيونية التي أجراها معها في العام 1964 عن الفرق في ذلك ، قالت الفرق في " الشيء ذاته" أي في هذا التركيب الغريب بين الفلسفة من جهة والسياسة من جهة أخرى. في ماهية الفلسفة وماهية السياسة. إن ما ننتظره من الفلسفة السياسية شيء آخر ، غير ما ننتظره من الفلسفة. فالانتقال بينهما انتقال من مسلك إلى مسلك آخر مختلف تماماً . أهتم بتوضيح التوتر الموجود بين الفلسفة والسياسة، بعبارة أخرى بين الإنسان باعتباره متفلسفاً والإنسان باعتباره كائناً فاعلاً. عندما تنطلق السياسة من الفلسفة فإنها تتشكل حول مفهوم الإنسان لا مفهوم التعدد، وتنتج أنساقاً تحوم حول فكرة مطلقة، تتحول هذه الأخيرة في السياسة إلى الحاكم- الديكتاتور ، لذلك فإن آرندت تعتبر أن الفلسفة ليست بريئة أبداً، وتتحمل جزء كبير لما حدث من تفاقم للأنظمة التوتاليتارية في أوروبا٠ لا بد من الإشارة إلى أن آرندت تعتبر طبعاً أن أفلاطون هو المؤسس للفلسفة السياسية . وفي الوقت ذاته تعتبره المسؤول عن استبعاد الإهتمام عن السياسة. وتشدد آرندت على مسؤولية الفلسفة أمام تفاقم الديكتاتوريات" وعدم براءتها" منذ أفلاطون. ماتريد أن تنتهي إليه آرندت هو أن المهمة الأولى التي تستحق اليوم أن تكون هدف الفلسفة السياسية ، بِما فيه عملها هي نفسه، إنما تقوم على تجاوز هذا الإرث. إن إرث الفلسفة السياسية قد تأسس من خلال موقف الفيلسوف من السياسة. ولا يمكن تجاوز هذا الإرث إلا إذا وجدنا الموقع المناسب الذي يشغله الفيلسوف في اتجاه السياسة. فهل تحتاج السياسة إلى تدخل الفيلسوف؟ وإلى أي حد يمكن أن يتدخل الفيلسوف في الحياة السياسية ، من دون أن يفقد خصوصيته؟ أسئلة تثيرها آرندت.
جاك رونسيار يقاسم آرندت الفكرة التي مفادها أن السياسة لم تجد مكاناً طبيعياً داخل الفلسفة. يقول في نص " سوء الفهم " إنه ليس ثمة دليل على أن الفلسفة السياسية فرع طبيعي من شجرة الفلسفة." ويضيف : " إن اللقاء الأول بين الفلسفة والسياسة هو لقاء البديل: إما سياسة السياسيين أو سياسة الفلاسفة."
رونسيار يعتبر أن المشكل يكمن في أن الفلاسفة نصبوا أنفسهم عارفين بل أعرف من السياسيين وأن الفيلسوف يستطيع امتهان السياسة بشكل أفضل من رجل السياسة. والمشكل التي تطرحه الفلسفة من أفلاطون إلى رونسيار في علاقة الفيلسوف بالفلسفة هو أن الفيلسوف عندما يذهب إلى السياسة إما أن يكون سياسياً سيئاً وإما فيلسوفاً سيئاً. وهو ما تحقق من خلال تجربة الفيلسوف الفرنسي لويس آلتسير عندما أصبح عضواً مؤثراً في الحزب الشيوعي الفرنسي. ماتناوله رونسيار من خلال نموذج آلتسير ، يثبت أن الفلسفة السياسية تحققت فعلاً في فكر آلتسير ، وأنها في الوقت ذاته فشلت عندما تجنِّد الفيلسوف للسياسة. فالفلسفة على حد قول رونسيار يمكن أن تتفكر السياسة ولا يمكن أن تكون في خدمتها. في نص " فيما بين الماضي والمستقبل" تطرح آرندت إمكانية وجود فكر سياسي وفلسفة سياسية في اللحظة التي يقطع فيها حبل تقاليد الفلسفة السياسية . الحبل الذي بدأ بأفلاطون وأرسطو وانتهى تقريباً مع النظريات السياسية ل- ماركس .
في علاقة الفلسفة بالسياسة ووظيفة الفيلسوف داخل الفلسفة السياسية ..تفول آرندت:" إن الفلسفة السياسية تعني ضمنياً ، موقف الفيلسوف اتجاه السياسة، بدأ ميراثها ، عندما تحولت الفلسفة عن السياسة، ثم عادت لتفرض معاييرها على الشؤون الإنسانية، ونهايتها تحدث عندما يتحول الفيلسوف عن الفلسفة حتى يحققها في السياسة."
يقول عنها المفكر ميجال أبنسور" نعم. إن آرندت تنتقد الفلسفة السياسية، لكنها ومع ذلك تبقى فيلسوفة للسياسة، تبدع في الفلسفة السياسية ." يظل موقفها من رفضها للفلسفة السياسية وللقب الفيلسوفة السياسية ، موقفاً فكرياً ونقدياً من التراث الفلسفي السياسي ، أكثر مما هو رفض للفلسفة .
مع آرندت الرؤية الفلسفية الصحيحة والممكنة والوحيدة للسياسة هي الرؤية الفينومينولوجية. لأنها المنهج الفلسفي الذي يفتح أذرع الفلسفة على العالم والسياسة معاً، كما أن الفينومينولوجيا لا تخلق مأزقاً فلسفياً أمام السياسة.
ماميّز فكر آرندت السياسي هو أن مفهومها للسياسة لم يتأثر بانتشار الماركسية . فقد بقيت متأثرة بالمناخ السياسي الهيليني والهيلنيستي.
حنة آرندت من حيث حبها للعالم هي ماركسية، ومن حيث ممارستها للفكر هي هيدغيرية. لقد تحقق الفكر السياسي لآرندت بقلب ماركس وعقل هيدغر. تقول مليكة بن دودة.
ختاماً من أهم الدروس التي لقنتنا إياه آرندت :" أن الإنسان يمكن أن يولد في هذه الحياة أكثر من مرة وأن الحياة هي أولاً، قدرةٌ على البدء والمبادءة.
حنة آرندت فيلسوفة ومفكرة جمعت بين الفلسفي والإنساني في صيغة هندسية مركبة بين التأمل والعلم، والإنسان والعالم.