لي حكاية لطيفة مع هذا الكتاب. كنت في معرض الكتاب مع صديق أرشده بين الأروقة حين اصطحبته إلى قسم دار الكرمة، إحدى دور النشر المفضلة لقلبي. وبينما أنا أحكي لع عن روايات الدكتور عز الدين شكري فشير وأشجعه على اقتناء إحداها إذا ببائع الكتب الشاب يسألني في حماس: "هل أعجبتك رواية كل هذا الهراء؟" فأجبته بأن نعم، فوجدته يهتف لزميليه في انتصار "أرأيتم؟" ثم التفت تحوي موضحًا: " إنهما لا يحبانها!" حينئذ أجابتني بائعة الكتب بنبرة بها شئ من التبرير: " لأنها كئيبة" فأجبتها بأن هذا ما يجعلها جميلة لأنها واقعية جدًا. وبينما نحن نتناقش في الأمر كان بائع الكتب الشاب قد اختفى من أمامي لثواني ثم عاد لي يحمل كتابين وهو يهتف في حماس: "يجب أن تقتني هذا! هذة السيرة الذاتية هي(كل هذا الهراء) الخاصة بأربعينيات القرن الماضي" وقفت أتأمله في حيرة، فأنا لم أكن أنتوي شراء أي كتب في هذا اليوم فما بالك بكتابين ضخمين هكذا لا شك أن سعرهما سيكون عاليًا! :D
لكن أمام حماس البائع والوصف الذي وصف به السيرة الذاتية، إلى جانب كونها من "مختارات الكرمة" وهي السلسلة التي أحبها بشدة، رضخت واشتريت الكتابين. وضعتهما في مكتبتي وظللت لمدة عام ونصف تقريبًا متهيبة من قراءتهما منتظرة أن تأتي فرصة مناسبة أو فترة رائقة أتمكن فيها من قراءته بتركيز وانغماس حتى أتت الفرصة أخيرًا في صورة أجازة لمدة أسبوع بلا عمل حيث أكون في حاجة إلى كتاب واحد كبير يملأ أيامي كلها وأكون واثقة في أنه لن يخذلني وقد كان. لقد فتنتني هذة السيرة من أول عدة صفحات . هذا الكتاب مهم للغاية ليس فقط بسبب أسلوبه الساحر المختلف ولا بسبب حقيقة أن كاتبه كتبه سرا وهو في معتقلات عبد الناصر ولا لأنه يحكي قصة عمال وفلاحي مصر بقلم أحدهم وبلغتهم وتعبيراتهم وبرؤيتهم هم وليست رؤية فوقية أو بعيدة عنهم، وليس فقط لأنها تحكي عن الجانب المخفي الغير معروف لمجد مصر الصناعي، وليس فقط لأنها سيرة مصرية تحكي عن بسطاء المصريين عن كثب في زمن لا نعرف عنهم خلاله الكثير، ولكن أيضًا لعدة أسباب أخرى: أولًا، لأن هذة السيرة تبين لنا كيف أن المشروعات العملاقة دائمًا ما تخبئ خلفها مظالم وكوارث يتعمد أصحاب الشأن إخفاءهم عنا. هذا هو التاريخ الحقيقي لمن يريد أن يعرف لماذا لم ولن تقودنا الأبنية الضخمة والآلات الحديثة إلى أية تنمية حقيقية طالما أن العدل والقانون والمؤسسات والإنسان يأتون في ذيل القائمة. ثانيًا، لأن هذة السيرة ترينا كيف أن الحكم المطلق يفسد ولا يصلح مهما كنا نثق فيمن يملكون في أيديهم مقاليد الأمور. حتى الوفد والنحاس وسعد زغلول لم تمنعهم وطنيتهم وحب لناس لهم من ارتكاب الجرائم في حق العمال والفقراء والمصريين الذي كانوا أول من أيدهم. ثالثًا، لأنه يدحض الكذبة الرائجة عن أن المصريين شعب خانع ذليل نادرا ما ينتفض. هذة الكذبة يمحوها التاريخ الحقيقي لمصر لكننا لا نبذل مجهودًا كافيًا لنعرفه وهذة السيرة الذاتية التي تحكي كيف انتفض عمال الغزل النسيج وكيف أضربوا وتظاهروا وتعاونوا ونظموا أنفسهم ليحصلوا على أبسط حقوقهم على مدار سنوات طويلة. بداية من المطالبة بالتعويض والحماية لمن تقتلهم الآلات في المصنع مرورا بحقهم في المعاملة الآدمية والأجور الجيدة وفتح دورات المياه طوال اليوم وفي ساعات عمل معقولة وصولًا إلى إنشاء نقابة حقيقية تمثلهم وتحمي حقوقهم. وأخيرًا، لأنه يؤكد لنا مدى جهل الإنسان وعدم قدرته على التفريق بين من ظلمه وأفسد حياته وبين من يعاني مثله. فعندما امتلأت المحلة الكبرى بالعمال الذين أتت بهم الحكومة من كل القرى وتسبب ذلك في فوضى عارمة ومشاكل وغلاء، أسرع أهل المحلة يصبون غضبهم سخطهم على هؤلاء البائسين مثلهم بدلًا من أن يدركوا أن المستحق الحقيقي لهذا السخط هم من وعدوا آلاف العمال بعمل جيد وسكن وحياة أفضل ثم حنثوا بوعودهم وألقوهم هكذا يدبرون أمرهم بلا تخطيط أو دراسة أو مراعاة. ألا يذكركم ذلك بأشخاص نراهم اليوم، بعد أكثر من تسعين عامًا من هذة الأحداث؟ أشخاص أكثر تعليمًا ووعي وثقافة ودراية ولكنهم رغم ذلك لا يختلفون في شئ عمن حكى عنهم الكاتب في سيرته؟ فهم يركضون بسهولة نحو لوم وتقريع بل وإيذاء الفقراء والضعفاء والبؤساء واللاجئين دون أن يفكروا للحظة واحدة في توجيه شئ من هذا الغضب نحو المتسببين الحقيقين فيما آل إليه كل هؤلاء!