إن القاتل يعيش حقده حتى النهاية، وإن الجلاد متحفز حتى آخر نفس .وإلى جانب هذا الحقد والتحفز يعيش الخوف. فمن قتل وأهدر الدم وعذب وضرب وجلد ..مثل هذا الشخص لابد أن يخاف .فهناك دائماً لحظة طال الأمد أو بعد لابد وأن يحل فيها القصاص. والقصاص ليس إنتقاماً شخصياً وإنما إدانة وعقاب شعبي. فمن عاش تجرة " الأوردي " ..من مات هناك أو تهشم أو عُذب هو في النهاية مصري وابن للشعب المصري . والشعوب كما تصنع تاريخها لا تنسى من أساء إليها .. ومن أجل هذا أولاً كتبت هذه القصة كما حدثت.
ينزل السجين من سيارة الترحيلات فيجد بإنتظاره فارسين يمتطيان جوادين وبيدهما السياط يسبانه ويهويان بها عليه ليجبرانه على الركض للأمام .. على جانبي الطريق يقف رجال يحملون في إياديهم عصى غليظة يهويان بها على السجين ويتابعانه بها في ركضه اللاهث .. يصل السجين إلى بناء له شرفة عالية يجلس فيه رجال أرتدي بعضهم ملابس مدنية وآخرون في ملابس عسكرية .. على مرأى منهم يتقدم من السجين رجل يحمل ماكينة حلاقة كبيرة يجز بها شعر رأسه وعانته ثم يرمي له لفافة بها ملابس رقيقة من مادة تشبه الخيش ، وتحت وقع العصي مرة أخرى يجبر السجين على الركض عارياً بإتجاه باب العنبر المفتوح . في أول يناير عام 1959 شهدت مصر حملة بوليسية واسعة انتهت بالقبض على المئات بتهمة " النشاط الشيوعي " .. تنقلت الدفعة الأولى المقبوض عليها التي كان المؤلف من بين أفرادها بين عدة سجون ( سجن الواحات - سجن الحضرة - سجن مصر ) إلى أن انتهى بهم الأمر إلى سجن " أبو زعبل " الرهيب وبالتحديد في ملحق السجن الأشد رهبة والمعروف بالأوردي . في هذا الكتاب أشكال التعذيب والإهانة ، وجوه الجلادين وعقدهم وساديتهم ، صمود الرفاق وبطولتهم من نجوا ومن قضوا تحت التعذيب شهادة أخرى على إجرام نظام سحق الإنسان فلم يبقى منه إلا الهزيمة ولم يبقى له إلا اللعن