لو نال أبوحيان التوحيدي الحظوة والجاه عند ابن العميد والصاحب بن عباد الذين طرق بابهما آملا ما كان طمعه يدندن حوله ونفسه تحلم به، لو حدث ذلك ما خرجت لنا هذه التحفة الأدبية من الإبداع الفني النثري التي خطها لنا، وظلت حبيسه لديه خوفا من بطش هذين الوزيرين ذوي السطوة والقوة في زمنه. هذا الكتاب يمثل عملية رصد لحقبة سياسية متقلبة في حياة الدولة العباسية، من خلال ملازمة أبي حيان لاثنين من أشهر الوزراء والساسة في زمانه، ومن خلال هذه الملازمة والمعايشة صاغ تجربته في كتابه "أخلاق الوزيرين" الذي رصد فيه ما اتصف به هذان الوزيران من الكبر والغرور والفساد وقسوة اللسان والقلم. وزاد هذه التجربة ثراء وإبداع في التصوير الأدبي أن أبا حيان أديب واسع الثقافة، أكسبته صلته بالناس على اختلاف طبقاتهم ومشاركته لهم في حياتهم تجربة واسعة، فهو ناقد مر، ذو حس مرهف ينفعل لأخف المؤثرات، ويسجل أسرع الحركات وأخفاها، يصحب كل ذلك قدرة لغوية فائقة تسعفه على نقل أحاسيسه نحو الناس -مهما دقت- في غاية الوضوح والصفاء. وبهذه المواهب جميعا حضر مجلس الصاحب، وعايش ما فعله ابن العميد. فرأى وسمع ولقى منهما ما ملأ عليه حواسه فسجل ما شعرت به نفسه من الألم في كتابه هذا، وأخرجه صورا صورا معبرة رائعة ناطقة، أظهر فيها أبو حيان بحق أنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة.
أبو حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي البغدادي، فيلسوف متصوف، وأديب بارع، من أعلام القرن الرابع الهجري، عاش أكثر أيامه في بغداد وإليها ينسب، وقد امتاز بسعة الثقافة وحدة الذكاء وجمال الأسلوب، كما امتازت مؤلفاته بتنوع المادة، وغزارة المحتوى؛ فضلا عما تضمنته من نوادر وإشارات تكشف بجلاء عن الأوضاع الفكرية والاجتماعية والسياسية للحقبة التي عاشها، وهي بعد ذلك مشحونة بآراء المؤلف حول رجال عصره من سياسيين ومفكرين وكتاب، وجدير بالذكر أن ما وصلنا من معلومات عن حياة التوحيدي بشقيها الشخصي والعام- قليل ومضطرب، وأن الأمر لا يعدو أن يكون ظنا وترجيحا؛ أما اليقين فلا يكاد يتجاوز ما ذكره أبو حيان بنفسه عن نفسه في كتبه ورسائله، ولعل هذا راجع إلى تجاهل أدباء عصر التوحيدي ومؤرخيه له؛ ذلك الموقف الذي تعّجب منه ياقوت الحموي في معجمه الشهير معجم الأدباء (كتاب) مما حدا بالحموي إلى التقاط شذرات من مما ورد في كتب التوحيدي عرضا عن نفسه وتضمينها في ترجمة شغلت عدة صفحات من معجمه ذاك، كما لّقبه بشيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء؛ كنوع من رد الاعتبار لهذا العالم الفذ ولو بصورة غير مباشرة.
*الطبعة التي عندي بتحقيق محمد بن تاويت الطنجي طبع مجمع اللغة العربية وتصوير دار صادر وهي طبعة ممتازة.
*كتاب لذيذ ساخر محزن يصدر عن نفس حرَّى وعن ألم عميق في وجدان أبو حيان وهو مع ذلك يحوي كل طريف مُعجب مكتوب بلفظ أنيق فصيح وأسلوب رشيق بليغ.
*مثالب الوزيرين رسالة أنشأها أبو حيان التوحيدي في ذكر أخلاق ومثالب أشهر وزراء زمانه الصاحب ابن عباد وأبو الفضل ابن العميد فتشعب به الحديث وجرى قلمه كل مجرى وصارت الرسالة من٥٠٠ صفحة. والكتاب فريد فأنت تسمع صوت المثقف وهو ينقد السلطة ويذكر عيوبها ويصف حالها كما رآها بحسب زعمه وزعم من نقل عنهم ولن تجد في هذه الرسالة ما تجده في بعض كتب التراجم من مدح إلا القليل. والكتاب مليء بالنقولات مما سمعه أبو حيان ورواه واطلع عليه. وأجمل نقولاته تلك النقاشات والحوارات مع المثقفين عن حال الوزرين وحال سلطتهما وحال الناس معهما وما كان في مجالسهما من أحاديث. فمما نقله قول أحدهم وهو يتحدث عن ابن عباد "أما جَدّه(حظه) فيريني أنه واحد الدنيا ، وأما جِدّه(ضد الهزل) فينطق بأنه أنذل من في هذا الورى" وينقل عن آخر بعد وصف طباعه التي عاينها "ولعن الله الفقر فهو الذي يُحيل المروءة ، ويقدح في الديانة ، ولو كان لي ببغداد قوت يحفظ عليَّ ماء الوجه ما صبرت على هذا الرقيع البارد المجنون المطاع ساعة ، ولكن ما أصنع قد قلبت أمري ظهراً لبطن ، ما لي إلى الرزق باب إلا منه" ويقول التوحيدي "قلت لأبي سعيد الأبهري : بيّن لي أمر هذا الرجل ، ففي نفسي أن أعمل كتاباً في أخلاقه. فقال لي : لقد حاولتَ عسيراً ، أتستطيع أن تصف إبليس بحميع ما هو فيه؟"
*والرسالة لم تُفصل وتُبوب بل الحديث متصل من أولها إلى آخرها ولكن هذه تقسيمات من عندي -على التقريب- لعل من يقرأها يستفيد منها : ١-من أول الكتاب إلى ص٧٦ ذكر من ألف قبله في مثالب من نصب نفسه للناس -أو بلغتنا العصرية صار مسؤولاً وذا منصب في الدولة تحت يده رقاب الناس ومعايشهم- ويسوغ لنفسه هذا الصنيع بذكر أمثلة كثيرة وحجج متنوعة. ٢-من ٧٦ إلى ص٣٠٤ يذكر ابن عباد. ٣- ص٣٢١ يبدأ تسليط كلامه على بابن العميد حتى نهاية الكتاب. وقد يذكر الرجلين في نفس المعرِض إذ كانوا في عصر واحد وجمع بينهما العمل السياسي.
*هذا كتاب أدب وسياسة وتاريخ اجتماعي وهجاء للمتسلط المتجبر والأحمق المطاع الذي حوى في يده المال والجاه والسلطان فأحوج الناس إليه ،وكانت طبيعة ذلك الزمان أن العلماء والأدباء والمثقفين يرتادون مجالس الوزراء والخلفاء ليطرفوهم بكنوزهم التي أفنوا أعمارهم في استخراجها فيظفروا بمال يقيم عيشهم ويسد حاجتهم، قبل أن تنشأ المراكز البحثية والجوائز التشجيعية والتقديرية ونوبل وما شاكلها في عصرنا هذا مما يصبو إليها المشتغلون بالعلوم والمعارف لعيش حياة كريمة وتخليد أسماءهم ، فهذا الكتاب جيد في محاولة فهم هذه المعضلة خصوصا عند من ينظر بالصَغار إلى رجالاتنا القدماء ويظن أنهم مداحون لا يبغون إلا المال وكان لهم منأى عن هذا. ومن طريف ما قاله أبو حيان أنه لما ارتحل إلى ابن عباد في الري(أظنها طهران) أوكله إلى أحد معاونيه فقال له انسخ هذه الرسائل -وكانت من تأليف ابن عباد- في ثلاثين مجلداً ! فقال أبو حيان ما جئت من بغداد لأعمل بالوراقة فسوقها رائجة حيث أتيت ثم إن هذا سيفني عمري ويعمي بصري ، فلو سمح لي الوزير ، أختار منها اللالئ والجواهر وأرتبها في نظم جميل ليسهل رواجها ، فنمى الكلام إلى ابن عباد فغضب وظن أن أبا حيان يحقر ويزري بنثره وكانت بعدها الجفوة ! وهذا مثال اختصرته بلفظي يمثل بعض ما جاء في الكتاب.
*ولا نزال غرقى في نفس الدوامة فالحمقى والحسدة والطَغام والمجانين هم رؤوس مجتمعنا كما كان في عهد أبي حيان فالكتاب صرخة في وجوههم وسلوى لمن اصطلى بنارهم وتسلية وتنفيس. وأنا لا يهمني شخص الوزيرين فما كانا عندي إلا رمزين للسلطة ، وأبو حيان ذكر بعض محاسنهم والله أعلم بحقيقة حالهم. وكم ضحكت على النوادر التي ساقها المؤلف كولع ابن عباد بالسجع المتكلف وبعض سخافاته.
أي شعلة حقد أشعلت فتيل قنبلة الهجاء المدمرة هذه؟ أي ندبة روح ضمّدت بالقدح والقذع؟ أي خيبة وسقطة سلطت أبا حيان على هذين الرجلين؟ قد كان عرضهما يسلم وجنابهما ينجو -فلسان عصرهما يثني عليهما- لولا أن تصدى لهما هذا الرجل المكلوم بآلة الإذلال، والمهضوم حقه بالإهمال.
زعم عبود الشالجي أن كل حكاية في هذا الكتاب-وإن نُسبت إلى شخص ما- هي وليدة قلم أبي حيان، وبنت قلبه الحانق، وأنه أفاك مخترع من أول الكتاب إلى آخره، وهذا الرأي فيه غلو، والله يحب الإنصاف؛ فالرجلين لم يعدما ذامّاً لهما، ولا جرم أن أبا حيان حشا كتابه بمخترعات ومختلقات مضحكة هازئة وقحة عنهما.
قتلتني ضحكاً تلك الرسالة التي كتبها ابن الطيب عن ابن ثوابة جامد العقل الذي أراد أن يتعلم الهندسة(ص234-247) وهي أطرف سخريات الكتاب(وهناك من يزعم أن أبا حيان اخترعها). وعجبت من براعة شتم أبي حيان، كقوله: "ينطق قبح خَلقه من سوء خُلقه"! وكشتيمة على لسان ابن ثوابة يقول فيها:"إنك وإن كنت مبايناً للنصراني في دينه، إنك لمؤازره في كفره" وقد عملت فهرساً للشتائم التي استطرفتها في هذا الديوان الهاجي، لا أحوجني الله إلى تسليطها على أعراض خلقه. :)
والناظر في هذا الكتاب ينقلب ضاحكاً معجباً، أو مبغضاً مشمئزاً، فأما المحب للرجلين والشانئ لكاتبه، فهو في كل أحواله مدين بالفضل لأبي حيان رغم أنفه، أتدرون كيف؟ لأن المتعصب لهما لن يجد كتاباً جمع من "فضلهما وأدبهما وكرمهما ومجدهما" كهذا الكتاب، وأين الذي جمع "عشر ورقات في مكارمهما وآدابهما" فضلاً عن كتاب مصنّف؟ كذا اعتذر أبو حيان لنفسه ببراعة مفرطة(ص548).
غفر الله لأبي حيان ولعه بذم الناس وتتبع معايبهم، فإن هذه الصبغة منه خصّت الوزيرين وعمّت أهل زمانه، ونفرت المقبل عليه، وزهدت المحب له فيه. الواجد لثنائه وَجِلٌ من طعنة هجائه، والمتعرض لهجائه يغض طرفه على بلوائه.
قد يكون هذا الكتاب هو أطول ذم وهجاء في تاريخ الأدب العربي. أبو حيان التوحيدي أطلق العنان لقلمه (دون أي حدود) واصفا أخلاق الوزيرين ابن عباد وابن العميد. وقد كتب التوحيدي ما لا ينبغي أن يُقال أو يُكتب، فلم ينزه قلمه عن كتابة المجون والفحش حتى وإن ادعى أنه ناقل وغير شاهد. فشتان بين ما كتب في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) من حكمة وفلسفة وبين هذا الكتاب الذي وجدت أغلبه سخف ولو سكت ولم يكتب ما كتب لكان أحسن.
لكن التوحيدي ذكر أنه لم يدّعي على هذين الأثنين وأنه توخى الحذر في النقل قائلا: ولست أدعي على ابن عباد ما لا شاهد لي فيه، ولا ناصر لي عليه، ولا أذكر ابن العميد بها لا بينة لي معه، ولا برهان لدعواي عنده، وكما أتوخى الحق عن غيرهما إن اعترض حديثه في فضل أو نقص، كذلك أعاملها به فيها عُرفا بين أهل العصر باستعماله، وشهرا فيهم بالتحلي به، لأن غايتي أن أقول ما أحطت به خبرا، وحفظته سماعا.
وبرر التوحيدي إفراطه في ذمهما قائلا: ولولا أن هذين الرجلين، أعني ابن عباد وابن العميد، كان كبيري زمانها، وإليهما انتهت أمور ... وعليها طلعت شمس الفضل وبهما ازدانت الدنيا، وكانا بحيث ينشر الحسن منهما نشرا ويؤثر القبيح عنها أثرا، لكنت لا أتسكع في حديثها هذا التسكع، ولا أنحي عليهما بهذا الحد. ولكن النقص ممن يدعي الكمال أشنـع، والحرمان من السيد المأمول فقرة. والجهل من العالم منكر، والكبيرة ممن يدعي جائحة، والبخل ممن يتبرأ منه بدعواه عجيب.
لا أدري ما أقول في هذا الكتاب.. ربما أسهل الكلام أن أقول لك (لا تقرأه) إلا إذا أردت أن تطور من لغتك العربية، فبه الكثير من الشعر والنثر وغير هذه الفائدة لن تجد !
كتاب جميل مبعثر الزوايا يعكس الحالة النفسية الصعبة التي مرّ بها مولانا في تلك الفترة مقارنة ب "الهوامل والشوامل" يعتبر مثالب الوزيرين أقل إلمام بالأحداث وأقل وصفًا ودلالات لكنّ ذلك لا ينفي عنه الجمال والرحيق الأدبي
كتب أبوحيان هذا الكتاب في ذم وشتم ابن العميد والصاحب بن عباد كموقف دفاعي في وجه الظلم الذي تعرض له والفساد الذي شهِد عليه أطال وأفاض في الشتم شعراً ونثراً, لم أنهي الكتاب توقفت في منتصفه ساءني ما قرأت من بذاءة لايستحق القراءة