اللغة في رواية "الربع الخالي" للأديب الراحل عابد خزندار متدفقة دون تكلف أو قسر، مثل بحيرة عميقة بينها وبين رأس المجرى قطرة من الماء، إن تزحزحت القطرة من مكانها جرت البحيرة على منوالها دون توقف. حين المجرى بكامله ترهنه قطرة من ماء إلى حركة صغيرة منها هي في كل الأحوال ما تمتلكه البحيرة من عمق ووفرة ومساحة فإن مصير المجرى عندئذٍ لن يوقفه عند منخفض طبيعي بسيط أو في منعطف عادي بل سيأخذه إلى أبعد ما يمكن عن المنبع. إنها لغة أديب لا تعوزه خبرة الكتابة الأدبية وسلاستها وسيولتها، كما أنها لغة مثقف عميق الثقافة طوف في آفاق حقول فكرية وفلسفية واجتماعية حتى سلس قياد العبارة في يد أي معنى شاء. أظن بأن القطرة التي تزحزحت من مكانها، ثم تدفقت من بعدها البحيرة/ التي هي في حقيقة الأمر حزمة الحكايات التي تضمنتها الرواية، أظن بأنها لا تبعد كثيراً عن الخيار المصيري الذي تأسست عليه حكايات ألف ليلة وليلة، وهو أن توجد حكاية في كل ليلة لكي يتأخر الموت، أو على منوال "هات حكاية وإلا قتلتك" الذي رافق كتاب "الذاكرة الموشومة" للكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي. الأديب الراحل عابد خزندار يضع بطله في الرواية على شغبة هذا الخيار، احك أو تمت. والموت هنا هو موت الحكايات في صدر البطل إلى الأبد. ولنتخيل أن هذا القدر من الحكايات التي رويت انتهت إلى التراب، لنفترض أنها فقدت ظلالها في حياة راويها بكتمانه إياها، ومن ثم فقدت ظلالها في الواقع عامة، وواقع قارئ الرواية خاصة، لنتخيل كيف سيكون عليه حال المؤلف؟!! أعتقد بأنه سوف يتقبل مرغماً الخيار البديل، أي موت الحكايات في كنف الصمت كثمن باهض يتغذى عليه انتظار الموت البيولوجي . لذلك، تتشكل الرغبة على هذا الشرط مثل قطرة الماء التي تمسك بطرف البحيرة من جهة وبرأس المجرى من جهة أخرى، وفي مقدورها إحداث النقلة الأكبر في مسار الطرفين معا. وبدأ خزندار يكتب ما سماه حكايات.. (هذه حكايات كتبتها في مارس 2008 ولم أنشرها حتى الآن لأسباب مختلفة، وهي مستلهمة من ألف ليلة وليلة، ولهذا فإنها أقرب للخيال منها إلى الواقع، وللرمز منها إلى الوصف) .. وعددها ست عشرة حكاية، تمثل حكايات البطل، وعددها خمس مع إضافات يشاركه فيها غيره، تمثل المتن الذي يهيمن على سيرورة الحكايات الأخرى، وذلك بتوزيعها على فضاءات متباعدة في مساحة السرد في شكل عام، وضبط إيقاعها منعاً لتداخل ما يرويه البطل وما يرويه من باحوا له بحكاياتهم. وهي، وإن كان يسميها حكايات، تعتبر أيضاً شهادات عاشها أبطالها في ظروف مختلفة وأماكن مختلفة وأزمنة مختلفة. شهادات غاصة بالمرارة وانعدام قيمة الإنسان أمام قوى أكبر منه وأقدر على إزاحته من طريقها بل حتى من الوجود. عندما تأملت صورة الشجرة التي توسطت غلاف الرواية، ترجح عندي أنها سرحة ذات أغصان كثيرة تحيط بها رمال جافة تحت شمس مشتعلة. أعتقد أن لاختيار شجرة السرحة دلالة تنم عن ذكاء لافت، وذلك لأن شجرة السرحة تتميز بمقاومة شديدة للظروف القاسية، وهي أيضاً تخرج ثمراً، كما يقول العارفون بها، يسمى الدوالي ويتألف من قرون متعددة، في كل قرن ما بين خمسة إلى ستة فصوص. وهي هنا، إن صحت القراءة، ترمز إلى الحكايات/الفصوص التي شكلت الرواية ( أو سرحة النص) في 154 صفحة. وفيما يلي نماذج من ترجمات واقتباسات مختلفة أوردها المؤلف في الحكايات المبثوثة ما يعطي إشارة صغيرة إلى سعة إطلاع الراوي الرئيس أو البطل الذي جاء على صورة المؤلف في سعة إطلاعه وعمق ثقافته وهو ما يعرفه قارئه عنه.
- فصل " حكايته -2".. ابن الرومي : (يسهل القول إنها أجمل الأشياء طراً ويعسر التحديد)
- فصل " حكاية الآخر -1" ..رسالة إلى السادات من مثقفين وأدباء عن حرب أكتوبر التي طال انتظارها: ( لقد كثر الكلام عن معركة دون معركة، حتى صارت المعركة مضغة في حلوقنا لا نستطيع أن نبتلعها ولا نستطيع أن نمضغها)
- فصل "حكايتي- 3" .. ريلكه : ( المجد للروح التي يمكن أن توحدنا
فنحن حقاً نعيش كالأشباح
والساعات تمر بطيئة
قريباً من أيامنا الحقيقية )
- فصل "حكايتنا" .. ( فلا الناس بالناس الذين عرفتهم .. ولا الدار بالدار التي كنت تعهد )
- فصل "حكايتنا"... ( جريدة في صفحة .. مثل طير الليلق)
- فصل "حكايتنا" .. من قصيدة T. S. Eleot الرجال الجوف.
( نحن الرجال الجوف
نحن المحشوين
مستقلون بعضنا فوق بعض
قطع رأس مليئة بالقش، ياللأسف
وأصواتنا الجافة
حين نتهامس
خافتة بدون معنى
الريح التي تسري في عشب جاف
أو سيقان الجرذان على هشيم الزجاج
في قبونا الجاف
هيئة بدون شكل، ظل بدون لون
قوة مشلولة، إيماءة بدون حركة)
- فصل "حكايتي رقم 4" ... من قصيدة الأرض الخراب لــ Eleot :
( تدفق على جسر لندن جمهور حاشد، كما كان عددهم كبيرا..
لم أحسب أن الموت قد حصد كل هؤلاء)
- فصل "حكايتي رقم 4" .. قصيدة لبودلير بعنوان " إلى عابرة " منها:
( برق خاطف .. ثم أطبق الليل أيها الجمال الضال
الذي جعلتني نظرته أولد من جديد
هل كتب علي ألا أراك إلا في الأبدية ) إلى آخر القصيدة ..
- فصل " حكايتي رقم 4" .. من قصيدة لـ ألبيركامو :
( ومع ذلك ينبغي أن نرفع الصخرة من جديد)
- فصل "حكايتي رقم 4" .. من قصيدة لبودلير بعنوان النحس:
( أن نرفع هذا الحمل الثقيل
يا سيزيف فإننا نحتاج إلى شجاعتك
حتى لو كرسنا كل قلبنا لهذا العبء)
- فصل "حكايتي الأخيرة" .. ( أنكرتها بعد أعوام مضين لها ... لا الدار داراً والجيران جيرانا )