أن تقترن التجربة الصوفية بالرياضات والمجاهدات والسياحات فذلك من بداهة الأمور، أما أن تقترن بسيف الشريعة تقتيلا وتنكيلا، فذلك مما أربك الأفهام قديما وحديثا. غير أنه أنى تقبلنا معاني كلمة "صريع" أكانت محمولة على دلالة الحب أو الدم أو السيف أو العشق، فذلك كله اشتملت عليه المحنة الصوفية عند كل من الحلاج وعين القضاة الهمذاني والسهروردي. فكان مصرعهم إحياء لمعنى الاستشياع بما هو احتفال تضحوي ساروا إليه بخترة وتقبلوه بفتوة مقدّمين أرواحهم هديا ونذرا.
فكيف تقبلوا الموت تتويجا لمرحلة الفناء وأمارة على وحدة الشهود وتحققا للمعرفة؟ وكيف تمثلت آفاقهم هذا التتويج لتجاربهم شوقا وأنسا ووجدا في حين تقبله آخرون مروقا وزندقة وكفرا وإقلابا للدول؟
هذه المسائل وغيرها مما يحف بها نتدبرها في دراستنا هذه استقصاء ومقارنة وتقبلا.
لطالما ارتبط مفهوم (الزندقة) بالتصوف على مدار التاريخ الإسلامي، وبلغ التصدي لموجة التصوف أوجه في العصر العباسي، حيث أن العصر الذهبي للتصوف وإقبال الكثير من عامة الشعب للصوفية، تزامن مع الانقسامات التي عاشتها الدولة العباسية، مما زاد من القمع السياسي لأي حركة أو تجمع بشري يُشير لفكر مغاير للدولة.
ومن هنا خلد التاريخ سيرة وفكر (صرعى التصوف)، كما أسمتهم الكاتبة أسماء خوالدية.