لإدراك أسس وتجليات العلاقة بين المثقف والسياسة لابد من تحديد موطن الإشكال فيها، وذاك أمر متوقف على تبيان أن طبيعة الوظيفة الثقافية تتميز عن نظيرتها السياسية بجملة من المميزات، منها أنها مؤسسة للتنظيم السياسي وبناء الاجتماع الإنساني، وأنها نقدية مساءلة لا تواد أحدا على أن تضحي بالحقيقة وتتقاعس على ما تراه إنصافا لرسالتها ودورها، وأنها محكومة بنزوعها لما هو ممتد وشامل وعميق، وطبيعتها منجذبة إلى الثورة المتجددة على نفسها مهما كلفها ذلك من ثمن، فرهانها يكون دوما على المستقبل المنشود، أما طبيعتة الوظيفة السياسية فهي ميالة إلى الاهتمام بالشأن الجزئي، ومتناغمة مع المعطى الواقعي، غايتها استرضاء الجميع، وحينما تحيد عن هذا السبيل تجد نفسها في برج المثالية وهي تنادي من بعيد.
يتناول الكتاب عدة قضايا قسمها الكاتب الى ثلاثة اقسام: الأول متعلق بتعريفات واهمية وتطور مفهوم الثقافة، وفي الثاني معني بعلاقة المثقف بالسياسة والسياسيين، والمجتمع والايدلوجيا، والثالث مخصص للحديث عن أهم ملامح تجربة المفكر محمد عابد الجابري في الجمع بين الاهتمام الثقافي والممارسة الحزبية السياسية، وكذلك موقفه من التراث والحداثة.
ما شدني الى شراء هذا الكتاب أمرين: عنوانه الشيق والمثير والذي لطالما رغبت في اقتناء دراسة فكرية لهذا العلاقة بين واقع المثقف والسياسة وإمكانية ان تكون مثقفا مستقلا بمنأى على سلطة السياسي، والامر الاخر حجم الكتاب الذي لا تتجاوز صفحاته 90 صفحة مما قد يشجعني على قراءته دون ملل او تقاعس في اكمال محتواه بعكس الكتب ذات الصفحات الكثيرة التي لطالما اشعرتني بالملل من اكمالها قبل ان اقبل على القراءة بشغف ووله. وبالرغم ان هذا الكتاب يحتوي على نقاش يغالبه التنظير في طرح الأفكار ونقدها مما أضعف تأثيره علي في فهم العلاقة بين المثقف والسياسة، لكني لا أنكر انني استفدت من بعض طرح الكاتب في مفهوم الثقافة والمثقف. من ذلك على سبيل المثال حديث الكاتب عن خصائص المثقف (ص 25) ووظيفة المثقف (ص 28)، وأنواع الفئات الثقافية (لدى الجابري) (ص 32). وكذلك استعرا ض الكاتب لفكر ومفهوم المثقف والثقافة لدى المفكر عبدالاله بلقزيز (ص 45) وكذلك تجربة محمد الجابري والذي خصص له الكاتب فصلا مستقلاً وهو الجزء الذي استحوذ على اهتمامي خاصة عند موقف الجابري من التراث والحداثة وهو ما رأيت فيه موقفاً متزناً ومنصفاً للتراث الاسلامي والثقافة العربية بعكس تلك المواقف المتصلبة غير المنصفة للتراث امام هذا الشغف في الحداثة والتنوير لبعض الكتاب العرب واطروحاتهم في مفهوم التنوير (خذ مثلاً طرح هاشم صالح في كتابه "الانسداد التاريخي"، او الهجوم غير المنصف لياسر حجازي للخطاب الديني في كتابه "قميص الدين والدولة"). في النهاية وجدت الفائدة المرجوة من قراءة هذا الكتاب الرشيق بحجمه الغني بمحتواه وطرحه الفكري.
دائمًا ما أحب القراءة للكُتّاب من المغرب العربي، كتاباتهم مميزة جدًا، وبسيطة وفلسفية عميقة في آن واحد. أنصح بقراءة الكتاب وبلا شك سأبحث عن بقية الكتب للمؤلف ذاته، أسلوب سلس وجميل . الكتاب يقع في ما يقارب ٨٥ صفحة .