محمد مجتهد شبستري مواليد 1934 شبستر إيران، فيلسوف وفقيه، باحث في مجال العلوم القرآنية ومتخصص في الإلهيات المقارنة. عمل لفترة أستاذ في كلية الإلهيات في جامعة طهران في مجال علم الكلام المقارن، تأريخ الأديان وتأريخ العرفان. هو من الأوائل الذين جاء بالخطاب الهرمنوطيقي في إيران وتسببت آراءه في هذا المجال في الكثير من الجدل والمناقشات.
مراجعة لكتاب د. محمد مجتهد شبستري "نقد القراءة الرسمية للدين"
أبو محمد – مراجعة كتاب – 17 مارس 2020
في البداية يجب على من يريد الاطلاع على مثل هذه الكتابات وخاصة الكتابات التي تتغطى باللباس الديني ان يكون لديه مخزون ثقافي ديني وان يتصف بالموضوعية وهي قراءة الكتاب وقراءة الردود على الكتاب لتكون الصورة لديه واضحة وعند وجود شبهات او إشكالات عليه البحث الجاد والصادق عنها وعليه ان يحتكم في (النهاية كفرد غير مختص) الى قراءة المختصين "فأما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها الى رواه حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجه الله" وهم مراجع الدين الذين يمثلون حالة الابوة والقيادة والحكمة والذين حافظوا على هذا الكيان رغم الصعوبات والأزمات طوال هذه السنين، وانا هنا مجرد مطلع لا أكثر أحاول فهم الآراء الحداثوية الموجودة على الساحة.
يطرح شبستري في كتابه (نقد القراءة الرسمية للدين) قراءة بشرية للدين ويسميها القراءة الإنسانية للدين في قبال القراءة التقليدية للدين والتي يسميها القراءة الرسمية للدين، حيث يرى في قراءته البشرية للدين ان الخطاب الإلهي للإنسان أي كان إذا كان يقرب لله فهو خطاب ألهى سواء جاء عن طريق نبي او غير نبي وانه لا يوجد أي تفسير نهائي للخطاب الإلهي وان له خاصية التفسير الدائم والمستمر، ويرى ان مهمة العلماء تفسير الدين ولكن لا يعطيهم هذا التفسير أي ولاية على الدين.
ويضع شبستري (4) خصائص للخطاب النبوي وهي : ان يكون خطاب عقلائي يتناسب مع الزمان، ان يكون الخطاب معتمدا على اصالة العدالة، ان يكون الخطاب واقعيا، ان يكون الخطاب مفهوما لفعل فعله النبي.
شبستري يحاول تجديد الفكر الديني عبر توظيف الهرمنيوطيقا في نقد المنهج الفقهي السائد والذي في نتائجه يقول بزمانية الاحكام الاجتماعية "الواجبات والمحرمات في المعاملات" في الإسلام ذات طبيعة ارشادية لا مولوية، وأيضا ينتقد في موضوع الذهاب للأخلاقية الدينية ويصفها بالنظرة الطبيعية الميتافيزيقية ويراها انها مثالية غير قابلة للتطبيق على ارض الواقع عكس النظرة السياسية الاجتماعية لحقوق الانسان والتي يرى انها موضوع غير ديني. وينتقد نظرية حقوق الانسان في الإسلام.
ويرى ان الذين اعتمدوا على سيرة الامام علي (ع) في مسائل الحكومة والنظام لا معنى له اليوم جراء التحول السياسي/الاجتماعي/الإداري، ويرى أيضا انه يجب ان تكون هناك قراءات متعددة للدين وان تكون جميع هذه القراءات مقبولة! بما لا يؤدي الى انكار النبوة والتوحيد والمعاد وهي توسعة غامضة ومطاطية جعلها شبستري تؤدي الى التوسع في القراءات للانجرار لإنكار النبوة لعدم وجود رقيب يحفظ من تخطى هذه الدائرة وعليه لابد من وجود ضوابط لفهم الدين تكون حاكمة وهي حالة تنظيمية لا تعني الجمود او توقف البحث عن قراءة جديدة.
وينكر شبستري ان الله قد جعل للأنبياء صلاحية الحكومة على الناس وبالنسبة لبعض الأنبياء الذين أصبحوا حكاما فيقول انه مجرد واقع تاريخي لا يتعارض مع حاكمية الانسان ويفسر قوله "اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم) ان الآية مجرد تحكي عن واقع عملي كان الحاكم فيه الرسول (ص)! وعليه فالحكومة كما يراها شبستري من حق الناس فقط!.
ملاحظات حول كتاب شبستري:
أولا: مترجم الكتاب هو السيد أحمد القبانجي وهو شخصية معروفة بنقد "الثوابت الدينية" التي يقول ان نقدها يخدم الدين والتجديد، وهنا تطرح ملاحظة حول دقه الترجمة لكتاب شبستري.
ثانيا: شبستري يعترف في صياغة كتابه وحديثه ان كتابته المعرفية ونقده ودخوله في موضوع الهرمنيوطيقا كانت بدافع (سياسي) وان مناهج الحوزة كما يقول لا تعين على استيعاب الديمقراطية في البلد، فيتبين ان الهدف الرئيسي لشبستري هو استبدال نظام سياسي قائم وليس تطويره ونقده فقط وأن المسألة ليست مسالة معرفية صرفه، وكان الأولى به أولا تصفيه الدوافع او كما يعبر عنه الشيخ حيدر حب الله "بطهير الدوافع" و"تطمين النفوس" قبل النقد لكيلا ينطلق من عقدة ومن ازمه في الفكر ولتكون الدوافع صادقة.
ثالثا: يلاحظ على قراءة شبستري انها قراءة يغلب عليها الجانب التحليلي ويقل فيها جانب الأدلة او الجنبة الاستدلالية.
رابعا: هناك أمور اتفق معها وامور اختلف معها مما ذكر في كتاب شبستري ومن الأمور التي اتفق معها وقد ذكرها مفكرينا ومراجعنا السابقون والحاليون وليس هذا شيء جديد وهو فيما يخص مثلا ان يكون الخطاب الديني خطاب بلغة معاصرة وفيما يخص قضايا الشباب والحرية الفكرية وتطوير دور المرأة ومكانتا في المجتمع الإسلامي وفيما يخص حقوقها ومستوى العدالة، وهناك ما اختلف معه سيكون بعضه مدون في ملاحظاتنا التالية.
ملاحظات حول مصطلح التجديد:
أولا: من اهم المصطلحات التي باتت تتداول اليوم هو مصطلح التجديد الديني بل ذهب البعض للقول بان اهم قضية تبحث في هذا العصر هي مسالة التجديد الديني وإعادة النظر في الموروث الديني بل وصل الامر للبعض بان يعيش عقدة التجديد بمعنى أن نضع في الواجهة أننا لا بد ان نجدد في الإسلام بحيث نثبت المسالة "كهاجس" نريد ان نثبت الى الآخرين أننا نريد أن نلبس الإسلام ثوبا جديدا وليكون الإسلام مجرد "معرض" لما يثيره الآخرون، التجديد قضية مطلوبة ومن سنن التاريخ ولكن مطلوب اولا اعداد المناخ المناسب وهذا هو الأهم والذي يتحاشى البعض الحديث عنه وهي راحة الأوضاع السياسية والمذهبية، فإذا نجحنا أولا بكف يد التدخل في هذا الموضوع وحصولنا على وضع سياسي هادئ وسليم سنملك هدوء وطمأنينة للقيام بنهضه شامله فالظروف السياسية والاجتماعية تلقي بظلالها على تأخير حالة الاستقرار والنهوض دائما.
ثانيا: المواجهة الفكرية في هذا الزمن ليست مواجهة بريئة، وذلك لأنه لا يمكننا فصل الصراع الفكري عن الخارطة السياسية العالمية، فصناع السياسة في العالم يصرحون بان المواجهة الحقيقية في الصراع ليست ساحة الحرب والأدوات ليس الأسلحة الحربية ولا الاقتصادية كما يتوهم البعض فالصراع الحقيقي هو "صراع ايدلوجي" ومن امثلته ما ذكر في كتاب "صدام الحضارات" لمؤلفه صامويل هنتجتون، وتقرير مؤسسة راند الأمريكية الذي سلمت لصناع القرار الأمريكي في 2007 باسم "بناء شبكات الاعتدال الإسلامي" عبر استخدام مصطلحات براقه مثل: الدين المعتدل، التنوير والحداثة و تقديم قراءة جديدة للدين، الخ.
ثالثا: هل التجديد مطلوب في ذاته؟ الجواب (لا)، التجديد هو وسيلة لإصلاح الواقع فقيمة التجديد بانه وسيلة لحلحة الواقع وافتراض وجود نقص أو خلل ما في القديم وأيضا عدم قدسية (التجديد) بوصفه مضموناً لا يعني صوابه أو تعاليه عن النقد، البعض يطالب بالتجديد فقط لأجل التجديد! فتكون مشكلته انه كيف تتعبدون بأحكام لها 1400 سنة فهو يرى الحفاظ على الشيء لهذه الفترة مشكلة ولابد من تجديد! والاساس في التجديد هو توضيح ما هو الخلل في المنظومة الفقهية بحيث تطالب بعدها بالتجديد. مثلا دستور أمريكا تقريبا أعلن من قبل 250 سنة، فقط تم تغيير ما يقارب 10% منه طول هذه الفترة وهو دستور وضعي فالتجديد ليس مطلوب في ذاته دائما.
رابعا: لا يوجد أحد ينادي في التجديد في العقائد واصول العقائد هي خارج التجديد والقيم الأخلاقية، لا أحد يدعو الى إعادة صياغتها لأنها قيم مطلقه فوق الزمان. موقع النزاع هي الاحكام الشرعية وهو الجانب العملي من الدين في الفتاوى الفقهية.
خامسا: يجب الالتفات الى أن هناك تيارات خارجية وداخلية تدعو الى افراغ الدين عن كونه حياة للمجتمع، والتيار الداخلي يركز حول ان الدين ليس حياة للمجتمع البشري وانه مجرد مضامين عرفانية وروحية وليس هناك إمكانية للدين بان يتحول الى كيان ويتجسد على ارض الواقع فينطلق من عدة منطلقات لتحقيق هذا التوجه كما ذكره السيد منير الخباز في كلمته بملتقى الخطباء بكربلاء 2018 وهي: (ضرب الوحي، ترسيخ بشرية شخصية النبي والائمة، القول بان المنظومة الفكرية مثل: الامامة والعصمة والولاية التكوينية هي من صنع علمائنا، التشكيك في التراث، وتاريخية النص، ضرب القضية المهدوية وذلك لضرب وإزالة مقام المرجعية، ضرب المرجعية مباشرة).
ملاحظات حول دعوى جمود التجديد في الفهم الديني كما يدعيه شبستري:
صحيح انه هناك تباطئ في عملية التجديد وكثيرين تحدثوا عنها ولكن الانصاف والمصداقية تدعو لذكر السلبيات بالإيجابيات وهذا ما لم يذكره شبستري بل صور في كتابه وكأن التجديد في الدين والفهم الديني لم يتحرك خطوات الى الامام! وأيضا لم يتطرق ان الحكمة والعقل تدعو للتدرج في الإصلاح والتجديد وعدم ممارسة الصدمة كما يدعو له، لأنها ستكلف المشروع وجوده وبناءه فلا يمكن هدم بناء شيد على مر مئات السنين بصورة مباشرة! ونعود لنقدم النقاط التالية ردا:
أولا: جمود الفقه:
هل فعلا الفقه الإسلامي فقه جامد ولا يتغير وثابت كما يصوره شبستري؟
هذا غير صحيح فهناك بوابات للتجديد في الإسلام منها:
(1) - داخل المنظومة الفقهية هناك تجديد داخلي فهناك بحث (الثابت والمتغير في الفقه الاسلامي): فهناك أمور ثابته وهناك أمور متغيرة أي أحكام مستثناة بمعنى لديها قابلية التغيير وهذه القابلية جُعلت من نفس الدين فهناك قواعد او ضوابط مثل " الضرر والاضطرار والحرج" متى ما انطبقت تتغير هذه الأحكام مثل ما يسمى بالأحكام الثانوية.
(2) - ما يسمى بالأحكام الولائية: الذي يصدر من المعصوم بما انه معصوم وبلحاظ منصبه السياسي ويصدر تبعا لوجود مفسدة او مصلحة او تدبير سياسي تقتضي هذا الأمر ومثال الامام علي (ع) جعل الزكاة في الخيل لوجود أزمة اقتصادية في ذلك الوقت ورفع هذا الأمر بعد انحلال هذه الأزمة وهناك من الفقهاء من عمل بهذا الحكم الولائي مثل الحكم الشرعي للميرزى الشيرازي صاحب فتوى التنباك، فالحكم الولائي باب من أبواب التغيير والتجديد.
(3) -ما يسمى بمنطقة الفراغ التشريعي: وهو تعبير أطلقه الشهيد محمد باقر الصدر وهي المنطقة التي تعنى بالموارد التي ليس لها حكم واضح وهي منطقة اوجدها الدين لتكون هناك "مرونة للتشريعات" تواكب الزمان والمكان خاصة في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وإدارة الدولة وملئ هذا الفراغ إذا لم يكن هناك موقف للشرع تكون مسئولية ملئ هذه المنطقة هي "الامة" بمعنى السلطة التشريعية التي تمثل الامة.
(4) -مسألة مدخليه الزمان والمكان: الفقهاء يقولون ان الزمان والمكان يتدخل في موضوعات الأحكام فاذا تبدل الموضوع يتبدل الحكم، فمثلا موقف الامام الخميني في لعبة الشطرنج: ففي القاعدة الفقهية لعبة الشطرنج حرام فقال الامام الخميني إذا تغير الموضوع فيتغير الحكم فحين تكون هذه اللعبة رياضة للعقل والذهن وتحصل عليها مسابقات بالمعنى الجدي في هذا الزمان فيتغير الموضوع وعليه لابد من فقيه يعايش هموم الناس ويعيش زمانه ومكانه.
فاذا جمعنا هذه الأمور نجد أن الفقه يتحرك ويتجدد، فدور الفقيه هو ضبط المتغير في حياتنا بالثابت وهو الخطوط العامة للدين فالفقيه دائما في حال حركة فقد يكون الحكم ثابت فيطرأ عليه حكم ثانوي وقد يطرأ عليه حكم ولائي الخ، فالتجديد موجود ولو قارنا احكام الفقهاء المعاصرين والسابقين فهناك تغيير ملحوظ وواضح.
ثانيا: الاتجاهات الفكرية المختلفة:
الموضوعية والمصداقية تتطلب من شبستري ذكر او تبيان ان هناك تيارات فكرية ليست على مستوى واحد من التجديد فهناك تيارات تقليدية واصلاحية اتجاه التجديد وليس كما يصورها كلون واحد وقالب واحد! فهناك اتجاهات فكرية مختلفة ذكر بعضها الشيخ حيدر حب الله بشكل مفصل نختصر بعضها مثل:
(1) -الاتجاه التراثي التقليدي: وهو الاتجاه الذي يعتقد بالآليات الموروثة في علم الكلام وأصول الفقه وهناك مراجع اساسيون في حوزة قم يتبنون هذا الاتجاه الى اليوم.
(2) - الاتجاه التراثي التجديدي: الذي ينفتح على كل ما هو عصري، فيؤمن مثلاً بتطوير لغة الفقه والأصول والفلسفة، كما ويؤمن ببعض التعديلات الطفيفة في المعطيات الدينية، ويعتقد بضرورة إخراج الموروث الفكري بحلّة جديدة، ويقود مؤسّسات لإحياء التراث الخ ومن ضمن الشخصيات الرئيسية لهذا الاتجاه "الشيخ ناصر الشيرازي والسيد محمود الـهاشمي الشاهرودي، والشيخ باقر الإيرواني، والشيخ حسن الجواهري، والشيخ مصباح اليزدي وآخرين.
(3) - الاتجاه الثوري السياسي: يمتاز هذا الاتجاه بقراءة سياسية اجتماعية للدين، كما ويواكب تطوّرات الحياة السياسية أكثر من غيره ويتـزعمه اليوم مرشد الجمهورية الإسلامية آية اللـه السيد علي الخامنئي، وهو مهتمّ جداً بتطوير النظرية الفقهية بما يخدم حاجات الدولة الإسلامية، ولـهذا نجده يسعى من جهة لتطوير المفاهيم الفقهية بشكل ملحوظ، ونجد في سياق هذا الاتجاه تطوّرات ملحوظة لفقه المصلحة، وفقه الدولة وفقه المجتمع على السواء، كما يسعى هذا الاتجاه من ناحية أخرى لتقديم خطاب دفاعي عن الإسلام أكثر عقلانيةً من بقية الاتجاهات، والسبب أنه الاتجاه الذي كان معنياً أكثر من غيره بمطاولة آخر منجزات الفكر الغربي من زاوية دفاعية كونه اهتم بنتاجات سروش وملكيان وشبستري وكديفر و.. ويمكن لنا ذكر أسماء لهذا الاتجاه مثل: الشيخ صادق لاريجاني، والدكتور محمد جواد لاريجاني، والدكتور عبداللـه نصري، والشيخ مصباح اليزدي، والشيخ علي أكبر رشاد، والشيخ أحمد الواعظي، والدكتور يحيى يثربي وآية اللـه إمامي كاشاني في دراساته لفقه الضرائب، وآية اللـه التسخيري، وآية اللـه الشاهرودي، وآية اللـه الجيلاني وآية اللـه محسن الخرازي وغيرهم.
(4) - الاتجاه التجديدي الذي انطلق من داخل الحوزة: وقد اهتمّ هذا الاتجاه بإجراء تعديلات جوهرية على بنى الاجتهاد الفقهي ويركزّ في المرحلة الحالية على تنحية بعض المقولات النافذة في الاجتهاد الفقهي ويقف على رأس تلك المقولات كل من: الإجماع، والشهرة، والسيرة المتشرعية، ومن ثم ــ وبدرجة تالية وأقل ــ نظرية خبر الواحد، برز من روّاده المعاصرين السيد محمد جواد الموسوي الاصفهاني، الصادقي الطهراني، الأستاذ الحكيمي وغيرهم.
ثالثا: المشاريع:
صحيح أن التجديد جاء متأخرا نظرا لابتعاد الشيعة عن السلطة السياسية ولكن بعد انتصار الثورة في إيران قبل اقل من نصف قرن تشكل واقع ضاغط وواقع مغاير فتحولت المشاكل من طابع الإجابة عن أسئلة واستفهامات وملاحظات جاءت نتيجة ظاهرة الاستشراق/العلمانية/الماركسية الخ، إلى تقديم "نظريات متكاملة لمشاريع فكرية كبرى" وعليه جاءت الدعوة الى مشاريع أخرى للتجديد مثل:
(1) -الدعوة لأنشاء مراكز: مثل دعوة السيد الخامئني في خطابة للحوزة بضرورة انشاء (مركز للحريات الفكرية ومركز الابداع والتجديد العلمي وانشاء مؤسسة تعليمية للتبليغ الدولي ومراكز دراسات استراتيجية) تعمل على المواكبة الدائمة للمستجدات الفكرية في المجتمع الإسلامي فيرصد كل كتاب أو نقد أو نظرية صدرت وتم تناقلها في المحافل العلمية ليتم تقييمها والرد عليها وقد تم انشاء بعضها بدعم من سماحة السيد وهناك مراكز قائمة حاليا مثل: "معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية، اكاديمية الحكمة العقلية، المركز الإسلامي للدراسات الإسلامية التابع للعتبة العباسية، مركز الدراسات الإسلامية في ايران لمثلية الولي الفقيه وتخرجت عشرات المؤسسات البحثية الخاصة بالقرآن والعلوم الاجتماعية والإنسانية وغيرها تحت مظلة سماحة السيد الخ.
(2) - مشروع التجديد في الحوزة نفسها فقد كانت هناك دعاوى الى التجديد في الحوزة من قبل اعلى سلطة دينية وهو السيد الخامنئي ففي لقاءة بطلبة العلوم الدينية سنة 2007 تعرض سماحته لدعوى التجديد مثل (التخطيط المستقبلي لشؤون عمل الحوزة، ضرورة التحول والتغيير في عمل الحوزات مثل أساليب التعليم والتحقيق ومناهج التدريس والنظام الإداري لتكون مواكبة للتطورات والاحداث في جميع الابعاد والمجالات المختلفة، منح الحوزة الشهادة العلمية لطلابها، رسم السياسة العامة في الحوزة، اعداد المبلغين الاكفاء للمنبر الحسيني، العمل على الفقه التخصصي في الحقول الإسلامية المختلفة، استقلالية الحوزة، تقديم الأولويات والحاجات الملحة، الخ). وصحيح ان السيد الخامنئي يتلقى معارضة من قبل الجهات التقليدية في الحوزة وهذا شيء طبيعي اتجاه أي حركة اصلاح وفقد عبر عن ذلك الإهمال والمعارضة في كلمته امام طلبة الحوزة سنة 2007 بقوله" ان كثيرا من الاقتراحات التي طرحتها طيلة السنوات الماضية حول الحوزة العلمية سواء ما طرحته في الاجتماعات العامة امام مئات او ألاف الطلاب والفضلاء والاستاذة، او ما طرحته في اللقاءات الخاصة مع مسئولين في الحوزة العلمية او مع بعض المراجع او الفضلاء، لم يتحقق حتى الآن، او تحقق بعضها بصورة جزئية او اهملت قبل اكمالها" ولكن مع هذا فتيار التجديد الواقعي ينمو ويستمر وتتسع رقه وجوده على الأرض وبشكل متسارع في الآونة الاخيرة.
(3) - هناك نموذج اخر لطلب التطوير والتجديد في فقه الأصول من خلال الاستفادة من العلوم الحديثة مثلما ذكره السيد السيستاني ونقله السيد منير الخباز في تقريراته بكتابه (الرافد في علم الأصول) ص17-18 والصادر في 1414 هـ" أن الفترة التي نعيشها الان بمقتضى العوامل الاقتصادية والسياسية تمثل الصراع الحاد بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى على مختلف الأصعدة، فلا بد من تطوير علم الأصول وصياغته بالمستوى المناسب للوضع الحضاري المعاش. وقد ركزنا في بحوثنا على بعض الشذرات الفكرية التي تلتقي مع حركة التطوير لعلم الاصول من خلال الاستفادة من العلوم المختلفة قديمها وحديثها كالفلسفة وعلم القانون وعلم النفس وعلم الاجتماع ومن خلال محاولة التجديد على مستوى المنهجية وعلى مستوى النظريات الكبروية استمداداً من كلمات الأعلام (قدس سرهم) في عدة حقول". وهذا حاصل عمليا فمثلا السيد السيستاني أحد العلوم التي لابد ان تكون ومتوفرة في المجتهد حسب راية هو "علم المخطوطات" على عكس استاذه السيد الخوئي وهكذا.
(4) - نموذج الابداع المعرفي: فبدل الاستنساخ من الاخر والذي لا بأس من الأخذ بما يفيد لكن، اخذ النظرية المعرفية كقالب كامل وتطبيقه بحذافيره دون دراسة مستفيضة هذا أمر غير واقعي، والمطلوب التشجيع على خلق الإبداع وتطوير ما لديك او خلق فكرة جديدة مثل النظرية الاستقرائية للشهيد الصدر والتي مر عليها أكثر من نصف قرن للان لم يتم للأسف تنضيجها وتوسيع مداركها، فلماذا لا يتم الدعوة للإبداع بدل الاستنساخ؟!
وهنا اشارة للجانب السياسي لطرح شبستري، لماذا لا تعطى فرصة لكيان سياسي ونظام إسلامي قائم لم يكمل نصف قرن من تطوير نفسه خاصة وأنه لم يستقر في فترة من الفترات وواجهة العالم بأسره أليس من الإنصاف إعطاء فرصة للتجربة الإسلامية الوحيدة التي يمكن البناء عليها فالإسلام الشيعي للتو بدأ مسألة الدولة وتفاصيلها ولحد الآن بالمقارنة المنصفة بين ايران قبل وبعد الثورة في الجانب العلمي والتعليمي وغيرها من المجالات يتبين حجم التقدم في جميع المجالات وهو ما يبشر بصلاحية التجربة التي تحتاج مزيد من الدراسة والتقويم والمعالجة وتقدير ما تم إنجازه حتى الان في ظل كل الظروف التي مر بها النظام القائم.
في المقابل يجب التنبه الى ان العلوم الدينية بنيت منذ مئات السنين على المنطق الارسطي فلا يمكن بالتأكيد في يوم وليلة تغييرها وهدمها وبناء شيء جديد لكل هذا الصرح المشيد منذ مئات السنين فالمسالة ليست بهذه البساطة، اليوم هناك نقاشات في النظرية الاستقرائية والنسبية التي تتحرك ضمن أصول ثابته والتفسير الموضوعي وغيرها من النظريات المعرفية فيجب تقديم دراسة متأنية لكل نظرية قبل الاخذ بها.
ملاحظات حول الخلط بين القانون الوضعي والقانون الشرعي :
أولا: هناك خلط بين القانون الوضعي والقانوني الشرعي فالقانون الوضعي قابلية التغيير فيه مفتوحة على مصراعيها لأنه قانون بشري وضعي اما بالنسبة للقانون الشرعي والفتاوى الفقيه قياسها بالجانب الوضعي غير صحيحة لأننا لا نملك حق التشريع فمرجع التقليد ليس بمشرع فنحن نرجع لمرجع التقليد وفهم المرجع للنص الذي يكون عبر ضوابط فنحن لا نتعبد بتشريع المرجع بل بفهم المرجع للنص الديني.
ثانيا: إذا عرفنا ان المرجع ليس بمشرع فمطلب تغيير الفتوى خطا فالمرجع لا يملك حق التشريع، نعم إذا جاء شخص وذكر انه لديه اشكال حول فهم معين وهذا الاشكال مبني على الأدوات التي يستعملها المرجع في صناعة الفهم والفتوى فهذا الاشكال وجيه ومطلوب وهذا حاصل في الدروس العليا في الحوزة فأستاذ البحث الخارج يطرح رايه ويقيم الأدلة على هذا الراي وطلابه يناقشوه فيما وصل له.
ملاحظات حول القراءات المتعددة للدين والتي ذكرها شبستري:
الاختلاف في فهم الدين ظاهرة كانت جارية على الدوام ولكن ما يتحدث عنه شبستري هو القراءات المختلفة للدين ويعتبر النمط المتطرف للاختلاف وذلك لعدة أسباب:
أولا: الفهم المتعدد للدين ظاهرة موجودة ومستمرة ولكن ليس هناك تباين واسع بين القراءات لحد التطرف، نعم هناك اختلاف في وجهات النظر لبعض المسائل الدينية ولكن أيضا هناك "ثوابت ومشتركات أكبر"، فمثلا (نظرية الدولة) في الفقه الشيعي نجد هناك اختلاف للقراءة فمن يرى إقامة الدولة وبين من يرى حرمة إقامة الدولة وبين من يرى ولاية الفقيه المطلقة وبين من يرى ولاية الفقيه المحدودة، فهل تعدد القراءات اليوم حول الحكومة والدولة تؤدي الى تعدد المذهب الشيعي؟! الجواب (لا )، لان المشتركات أوسع وأكبر وهذا ما يضمن وحدة الصف الشيعي مع وجود الاختلافات. ولكن شبستري حول دعوته لتعدد القراءات للدين يتجه اتجاه ان تتعدد الأديان في الدين الواحد!
ثانيا: يقول ان أسباب اختلاف القراءات ناتج عن الذهنية المسبقة والذائقة والميول للفقهاء، ولكن الحقيقة الاختلاف راجع لاختلاف المباني الأصولية والمباني الرجالية وأدوات الاستنباط لكل مجتهد، والاختلاف هو اختلاف منهجي يخضع لضوابط.
ثالثا: تعدد القراءات بالصورة التي يطرحها شبستري توسعة غامضة ومطاطية قد تؤدي الى التوسع في القراءات للانجرار وإنكار النبوة لعدم وجود رقيب يحفظ من تخطى هذه الدائرة، حيث انه يشرك ذهنية العالم في الفهم وعليه سيؤدي الى ضرب من الفوضى المعرفية ونزعة الشك! وعليه لابد من وجود ضوابط للفهم الديني تكون حاكمة وهي حالة تنظيمية لا تعني الجمود او توقف البحث عن قراءة جديدة.