What do you think?
Rate this book


160 pages, Unknown Binding
قوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلنا﴾ أي صَيَّرنا، وجعل تأتي بمعنى: خلق وبمعنى صيَّر، فإن تعدَّت لمفعولٍ واحدٍ فإنها بمعنى ((خلق))، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنّورَ﴾ وإن تعدًّت لمفعولين فهي بمعنى صيَّر، مثل قوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾: أي صيرناه بلغة العرب، وإنما نبَّهتُ على ذلك؛ لأن الجهمية يقولون: إنَّ الجعلَ بمعنى خلق في جميع المواضع، ويقولون: معنى قوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾: أي خلقناه، ولكن هذا غلط على اللغة العربية.
وتأمل قوله تعالى: ﴿أَحسَنُ عَمَلًا﴾ ولم يقل: ((أكثر عملاً))؛ لأن العبرة بالأحسن لا بالأكثر، وعلى هذا لو صلى الإنسان أربع ركعات لكنْ على يقين ضعيف أو على إخلال باتباع الشرع، وصلى آخر ركعتين بيقين قوي ومتابعةٍ قوية فأيهما أحسن؟ الثاني؛ بلا شك أحسن وأفضل، لأن العبرة بإحسان العمل وإتقانه إخلاصاً ومتابعة.
فإن قال قائل:
نجد أن الله تعالى يقول: ﴿فَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، ويقول: ﴿وَمَن أَظلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَن يُذكَرَ فيهَا اسمُهُ﴾، وأظلم تدل على اسم التفضيل، فكيف الجمع؟
نقول:
إن الجمع هو أنها اسم تفضيل في نفس المعنى الذي وردت به، فمثلاً: ﴿وَمَن أَظلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَن يُذكَرَ فيهَا اسمُهُ﴾: أي لا أحد أظلم منعاً ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وفي الكذب، أي الكذب أظلم؟ الكذب على الله، فتكون الأظلمية هنا بالنسبة للمعنى الذي سيقت فيه، ليست أظلمية مطلقة لأنها لو كانت أظلمية مُطلَقاً لكان فيه نوع من التناقض.
لكن لو قال قائل:
ألا يمكن أن تقول إنها اشتركت في الأظلمية؟ يعني هذا أظلم شيء وهذه أظلم شيء؟
فالجواب:
لا يمكن، لأنه لا يمكن أن تقرن بين منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وبين من افترى على الله كذباً، فإن الثاني أعظم، فلا يمكن أن يشتركا في الأظلمية، وحينئذٍ يتعين المعنى الأول، أن تكون الأظلمية بالنسبة للمعنى الذي سيقت فيه.
﴿عَدنٍ﴾ بمعنى الإقامة، أي جنات إقامة لا يبغون عنها حِوَلا أي تحولا عنها، ومن تمام النعيم أن كل واحد منهم لا يرى أن أحداً أنعم منه، ومن تمام الشقاء لأهل النار أن كل واحد منهم لا يرى أحداً أشد منه عذاباً. ولكن هؤلاء، أهل الجنة، لا يرون أن أحداً أنعم منهم لأنهم لو رأوْا ذلك لتنغص نعيمهم حيث يتصورون أنهم أقل.
وقوله: ﴿لا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ﴾ أي لا قوة لأحد على شيء إلَّا بالله وهذا يعني تفويض القوة لله عزّ وجل، يعني فهو الذي له القوة مطلقاً، القوة جميعاً، فهذه الجنة ما صارت بقوتك أنت ولا بمشيئتك أنت ولكن بمشيئة الله وقوته، وينبغي للإنسان إذا أعجبه شيء من ماله أن يقول: ﴿ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ﴾ حتى يفوض الأمر إلى الله عزّ وجل لا إلى حوله وقوته، وقد جاء في الأثر أن من قال ذلك في شيء يعجبه من ماله فإنه لن يرى فيه مكروهاً.