لم يحظى الجسد الإنساني بالاهتمام الكافي الذي يعرضه كمحرّك اجتماعي اساس وليس الاقتصار على النظر إليه من الناحية البايوطبية . فقد دعت الحاجة لإدامة الحياة بتكثيف الجهود ولتطبيب الجسد ومحاولات ترميمه وترقيعه . إلا ان الاهتمام بالجسد ككيان له تمظهرات ينحتها عليه المجتمع ويظهره بصورٍ متعددة ، لم يأتي الا في الفترات الأخيرة الماضية .
فالجسد ذلك الكيان الذي نُظِر له على أنه جامداً ، لم يعد ولم يكن كذلك يوما .فجميع تمحورات الحياة وصورها يؤديها الجسد ويقوم بها بكل دقة وفق سلوكيات وافعال الافراد . فهو سر وجود الحياة بواقعها المادي وهو مترجم لكل الأفكار والطموحات والمشاعر التي يمتلكها الانسان لتخرج بتصرف الجسد الذي يقوم بها وفق ما يريد ذلك الجسد .
ان المجتمع الذي يحيا فيه الإنسان يسطّر وينحت مايريده على ذلك الجسد ، فالإنسان يتعلم قيم وعادات وتقاليد مجتمعه الذي يعيش فيه . وعلى اساس ذلك يكيّف جسده ويظهر به بصور تلائم ذلك السقف الثقافي الذي يسود في المجتمع . وتمر الفترات الزمنية والجسد يتلقى كل أنواع الأزمات والتقلبات والتطورات ، الأمر الذي يجعل منه خارطة لكل هذه الأشياء التي مرت عليه .
ويتعرّض الجسد فضلاً عن ذلك لتمظهرات السلطة عليه . إذ تمارس عليه من قبل الفرد نفسه أو من اسرته او من افراد المجتمع عدة سلطات اما لتقويمه وبالتالي تطوير وبناء الجسد او عقابه والحاق الضرر به . وهو في كل هذه الاحوال يظهر بوضعيات تلائم كل ما اجبر او اريد منه القيام به .
ولعل هذا الكيان الذي يمثل الواسطة لترجمة تفكيرنا وادراكنا قد تفرض عليه سلطة أخرى تحط منه وتعيقه بعض الشيء او تنهيه قطعاً الا وهي سلطة المرض التي تجعل منه جسداً بالياً قد يخضع الى الترميم والترقيع ان نفع ذلك
الجسد ، ذاك الكيان الذي نظن أنه جامد وثابت، يبين الكاتب أهميته بطريقة لطيفة جداً، فيصبح ذاك الكيان الدايناميكي والذي يتفاعل بشكل متبادل مع النظام الثقافي الاجتماعي . ينحت المجتمع الجسد حسب ما يعطيه من أدوار بحيث يصبح مسايراً لصور المجتمع و ما يريده . ويثير الكاتب التفاعلات التي تحصل بين الجسد ومجالات عديدة كالظروف المحيطة به والعادات الغذائية .