الراوي عليما، الراوي متجردا.
ليست الرواية الحديثة فنا اعتباطيا، ولا وحيا يوحى، أو نصوصا منثورة دون مراجعة، ولا انعدام لقصدية كل ما في الرواية من لغة و بناء للشخوص و فضاء للزمان والمكان إلخ ..، لا يمكن لراوٍ بهذا المعنى أن يكون متجردا عن عالمه، فهو صانعه وخالقه، وهو الذي يعرف فيه أكثر من القارىء، وليست تأويلات القارئ في هذه الحالة إلا خلقا جديدا لعالم موجود ومحدد سلفا ، والروائي الفذ هو الذي يتقن صنعته ويذوب صوته في شخوصه وعوالمه دون أن نستطيع نحن القراء سوى أن نتكهن تكهنا قائما على الحس والبحث والتنقيب أحيانا، إنه يختفي ورائها ويترك لها الساحة لتصول وتجول وتضحكنا وتبكينا ولتثور حتى على صانعها وتتحرك في عوالمها دونه .
الراوي الفذ يمتلك أدواته ولغته جيدا، وحين لا يتقن هذه الادوات، تصير الرواية نصا تجريبيا تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة و تسبك الشخوص دون منطق، ويعلو صوت الراوي فيصير راويا عليما، والآخير أسوأ أنواع الرواة، فهو لا يتقن امساك الكاميرا بل يتدخل ويصحح وينقد و يعلق ويفرض علينا نحن القراء أن نقرأ عالما مشتتا ومزعجا ويفرض علينا أيضا رأيه دون أن يدع لنا مجالا أن نقرر ( الاستثناء الوحيد الذي أعرفه وينفي ثقل الراوي العليم هو الراوي في قصة حب ايرانية تحت مقص الرقيب ، حيث يمارس الراوي لعبة روائية مجنونة إذ يستعير صوت الرقابة في ايران ليحاكم شخوصه، في حين تهرب شخوصه منه وتختبأ و تغير ملامحها -نص ذكي وشديد الطرافة بالمناسبة - ) .
في "ماميلا" للكاتبة ميرفت جمعة، أرادت الكاتبة أن تؤسس لسرد متعدد الأصوات، فتاهت الأصوات وتداخلت دون أن يفهم القارىء البداية من النهاية، حتى بدا الجزء الأول من الرواية أقرب إلى تشظٍ سردي غير مبرر.
وأما الشخوص فقد وقعت جمعة في فخ التعجل فلم تؤسس لها أو تبنيها بناء منطقيا، في الجزء الأول من النص تقدم لنا جمعة شخوصها وهم : العتال ( رجل شديد الضخامة، يحب الطعام، شره جدا، لا شاغل له سوى الطعام، وحيد، يعمل في ورديات ليلة مشبوهة لينقل من ماميلا - مقبرة مأمن الله في القدس - أكياسا لا يعرف ما فيها، يدفعه فضوله ذات ليلة وبعد صراع قصير جدا ليفتح هذه الاكياس فيجد فيها بقايا آدمية) - حارس المقبرة ( وهو رجل شديد الضخامة أيضا، وهو مثلي، يقيم علاقة مع حبيبه في احدى المقابر ) ، وشخوصا مثل : رئيس متحف التسامح، امرأة عجوز مجنونة، شابان على غصن شجرة، عشيق الحارس ، حارس آخر للمقبرة لا نعرف من هو، مدير العتال في البلدية إلخ إلخ - .
في النصف الثاني من النص والذي يحتل ثلثي الرواية - تغير جمعة من لغة وضمير السرد لتتراوح بين الأنا والهو بعد أن اقتصرت على الهو في الجزء الأول -و تقدم جمعة أشخاصا جددا ( كنان وهو العتال ، وطائفة طويلة من الاسماء والشخوص والأشباح التي تسرح وتمرح في ليل المقبرة منها الامرأة التي تبكي، قائد القارب إلخ ) . كنان العتال يثور حين يجد البقايا الآدمية وهو أمر مفاجئ جدا للقارئ الذي يستغرب ردة الفعل هذه من رجل يعشق الطعام، ويذهب إلى حارس المقبرة الذي يضربه ويقتله ويرميه في بركة ماء في وسط المقبرة، وهنا يبدأ النصف الثاني دون تفسير يجد القراء انفسهم أمام كنان، الذي لا يعرفون أنه العتال، ويبدأ هذا الكنان في رحلة روحية أسطورية تاريخية تلقي الضوء على مقبرة ماميلا عبر التاريخ، والقارىء يتسائل عن هذا الكنان المثقف القارىء الذي يعرف الأساطير اليونانية والكنعانية، و الذي لم يرد له أي ذكر في مطلع الرواية، قبل أن يكتشف أن كنان هو العتال الذي لا يهتم بشيء في هذا العالم سوى معدته الفارغة وأن هذه رحلته الروحية قبل الموت - والتي لا تستقيم بحال من الأحوال مع حياته الدنيا - .
في النصف الثالث من الرواية، يتم تبرئة الحارس المثلي وعده بطلا، والأمر أن القارئ أيضا لا يفهم الهدف من وجود هذه العلاقة في الرواية، هل أرادت الكاتبة أن تقول لنا : انظروا إلى انحلال المجتمع الاسرائيلي فاختارت المثلية دليلا ؟ أم أرادت أن تقول لنا : انظروا ، إنهم يمارسون الجنس في مقبرة !، أم أنها أردت أن تكتب بجرأة وتلقي الضوء على العلاقات المثلية في المجتمع الاسرائيلي -إن كانت هذه الحالة، فليس ثمة تفسير واضح لمثل هذه العلاقة، ربما عليها أن تقرأ أكثر في النصوص الفلسطينية المكتوبة عن هذا الموضوع بالذات - .
لكن وبعيدا عن البنية قليلا، وقعت الكاتبة في فخ الراوي العليم والمتدخل في شخوصه بشكل فج، في البداية قد يظن القارىء أن الامر لا يعدو محض لعبة روائية من الكاتبة، ولكن سرعان ما يكتشف أن الكاتبة لا تسمح لشخوصها أن تتحرك أو أن تتحدث دون أن تبدي رأيها بشكل واضح، وهي مشكلة فلسطينية عامة عموما، فلا يمكن للآخر - الاسرائيلي - بالنص أن يتحدث دون أن يقوم الراوي باسكاته أو تكذيبه أو التعليق عليه، ليس ثمة آخر حر في نصوصنا البتة على ما يبدو . وهكذا يبدأ مدير متحف التسامح خطبته لتقاطعه الكاتبة في منتصفها وتكتب عن كذب ونفاق وخداع هذه الخطبة . حتى البطل أي كنان ، لا يسلم من تدخلات الروائية وتعديلاتها عليه وعلى خيارته ، بحيث تبدو الرواية في مرحلة من المراحل صراعا بين الكاتبة وشخوصها، تخسر فيه الشخوص بطبيعة الحال . وتضيع جمالية اللغة في الأسلوب وكذلك الموضوع في الاسقاطات التي تقيمها الكاتبة .