بسم الإله الواحد القهّار
إصلاح الفقيه - هيثم الرومي
قسم: فكر ونقد للفكر
نبدأ، بعد اسم الله
الكتاب هو من نوعية تلك الكتب التي تدرك بعد قراءتها، أنه، لزاما عليك، أن تحترمها وتبجلها، وأن تضعها وصاحبها في نصابهم الحقيقيين
بدءًا من اسم الكتاب، والذي أراه لم يوفه حقه أبدًا، وصولا للمحتوى، الذي أجبرني على احترام الكتاب ، على الرغم من عدة نقائص، قليلة للغاية، دفعتني لخفض نجمة وحيدة، ولولا ذلك، لأعطيته خمس نجوم كاملة
يأخذنا الرومي، في رحلة تأريخية إلى علم الفقه وأصوله، منذ بدء الفكر الإسلامي، إلى الآن
يبدأ أولا بتعريفه وتوضيح دلالاته، ما معنى الفقه؟
يأخذ الكاتبُ التعريفَ منذ ما قبل ظهور العلم، إلى بعده، وما بعده
فأولا، بمعناه الاشتقاقي، الذي ورد كثيرا في القرآن، بمعنى العلم والخبرة بالشيء والإحاطة بكل جوانب المادة
ثم يستكمل المسير إلى عصر الصحابة، والتابعين، وما بعدهم من السلف، والذي أصبح معناه هو "الاستدلال"، والاستدلال على الشيء، يعني إيراد الأدلة التي تؤكده، ومن ثم استتباط الأحكام الشرعية منه.
قضية الهدم والبناء، التجديد والركون، التنوير والظلام، وما إلى ذلك من مصطلحات ارتبطت - مؤخرا - بقضية الفقه والتفقه، كانت هي ثاني ما ناقشه الكاتب هاهنا. يرى الكاتب أن هدم التراث الفقهي الإسلامي لمجرد كونه يخالف بعض ما أتت به المدنية الغربية، من أخلاق وأفكار وتعاليم، يهدم ركنا أساسيا وعظيما في التراث الفكري للعرب والمسلمون أجمعين، فالفقه لم يكن علما كبقية العلوم الدينية، بل هو تراث وحضارة وماضي ومستقبل، والحضارة الإسلامية تتصف، ككل، كحضارة فقهية، حسب كلام المحدثين، أمثال الجابري رحمه الله وغيره من المفكرين.
كانت بعد ذلك لقضية النهضة والتخلف نظرة من الكاتب، وكان سؤاله، هل نعيش نهضة فقهية حقيقية؟
الجواب، قطعا، لا. فكل من يسمون أنفسهم مجددين، هم في الغالب، متنطعون، أو بمعنى أكثر لطفا، متسورين على العلم، كما يقال، فقلما تجد من لديه فكر جديد في مسائل فقهية قديمة، بل أن الواقع يشهد بأن الآراء العتيقة ما زالت إلى الآن تقام دراسات حولها، في حين أن التجديد المزعوم، لا دلائل له، وذلك بسبب انتكاسة المسلمين العلمية والفقهية بالطبع.
فصل آخر، تتبع فيه الكاتب بعضا من النصوص، مع قراءات لها، حول الفقه، ومكانته، وتأريخه، وحول سير بعض المتفقهين، وحول مصطلح المتفقه نفسه، والتفرقة بينه وبين الناقل
فالفقيه، في رأيه، ليس من نقل وحفظ وسرد، بل من اعتمد على الملكة الفقهية لديه عن طريق استنباط وقياس واستدلال، وغيرها من أدوات
يرى كذلك أن موقع الفقه في الإسلام، كموقع الحجر من البناء (تشبيه من عنديتي) فهو الأساس الذي انبنت عليه العديد من الفكَر والعلوم والمباحث الشرعية
أتى، من ثم، لفصل آخر، وهو موقف وموقع الفقيه في الدولة، فتجد أحيانا مكانة الفقيه تفوق مكانة الحاكم، وسلطته وقدره تزيد عن مجرد كونه مفتيا للناس
فمثلا، مكانة العز ابن عبد السلام، ومكانة أبو حنيفة، ومكانة قضاة بغداد وخراسان، التي كان الحكام يتخوفونها كما يتخوف الإنسان من الأسد
فتجد أحدهم يهدد بزعزعة سلطان الولى إن خالف الشرع والقانون، وتجد آخر يحرض ضد من ظلم ويأمر بقتاله، وخير مثال، موقف أبو حنيفة من الحجاج، وموقف الفقهاء من بني أمية الذين خرجوا ناضلوا أو أقله أمروا به، كدفاع عن الشرع ومقاصده
يأتي لنقطة أخرى وهي وظيفة الفقيه ودوره، فيرى أن الفقيه لا يقتصر دوره على التنظير والفكر المجرد، فيكون في شأن ابكتابة والتأليف وفقط، بل يجب عليه مخالطة أهله وإفتاءهم ومدارسة أمورهم واستشراف أمرهم
من أجل وأجمل فصول الكتاب، فصل الفقيه والسلطان، وهو كما تقدم، فيه كلام ونماذج حية للعلاقت بينهم، فالعالم كان مركزه يفوق أي مركز، ولا يستطيع الحاكم أن يصرف أمرا ما لم يستشر أمر فقهاء عصره
فتجد مثلا بعض الولاة يتهللون وفاء فقيه كذا، لكون سلطته وكلمته جارية بين الناس مجرىً يفوق قدرة أي أحد، فلو أمر مثلا بقتل الحاكم لقتلوه، لاعتبار رأيه
نقطة أخرى، وهي المذهبية، والإصلاح، بن عيه، تعليما، وتأليفا
فالمذهبية كانت سببا بالطبع في الخلافات التي وقعت في الدول الإسلامية على مجرى التاريخ، ولكن، عندما تنظر جليا فيها، تجد أن فيها من التكلف والتعصب ما يدفعك للشك أصلا في صحتها، فالفقهاء وإن اختلفوا وتعصبوا، ووصل بهم الحال أحيانا إلى القتل والتنكيل، والشتم والتشهير، إلا أنها كانت حالات عرضية، فالغالب أن الخلافات هذي لا وزن لها، وكلها دقيقة، ولا تخص المسلم المقلد بأي حال، إنما هي مختصة بالمجتهدين
يضع الكاتب، أخيرا، لمسألة الإصلاح الوزن الأكبر في شأن تجديد الفثه وتطويره. فيجب تطوير المناهج، فلا يكون الحفظ هو السمة الغالبة عليها، بل يجب تنمية ملكة القياس والاستنباط.
كما يرى أن على المتفقه إعطاء الاهتمام الكبير بمسألة التأليف، فالكلام والنقل شفاهية عن الناس لا يكفي أحيانا، بل يجب تسجيله وتدوينه. ويذكر لنا هاهنا عناية الفقهاء بتلك المسألة، كفقهاء الحنفية كمثال عظيم
إلى هنا ينتهي الكتاب، أما مميزاته، بالنسبة لي، فعديدة، منها بساطته وسلاسته، ووضوحه الشديد، ومنها رجاحة العقل على الهوى، فلا تجد فيه تعصب لا لسلفية ولا لغيرهم، بل تجد موقفه الداعم لأهل الرأي
أما عيوبه، فمنها، كثرة النقل، وهو ليس عيبا بحد ذاته، ولكن كثرته وقلة كلامه أصابتني بالتشتت
منها فقر الجانب النقدي منه، ومحاولة تلمس الأعذار لمن جهلوا الدين وتشددوا وتعصبوا للحكام، كذا يالنسبة لتلمسه الأعذار لبعض الحكام الفجار والمجرمين من كل دولة
أما الكتاب، ككل، فهو عظيم، رغم أنه ليس مبدعا بالضرورة، إلا أن ذكر ما يقارب الثلاثمائة مرجع، ينم، ولا شك، عن قوة وأصالة فكره
كتاب فخم، وقيم، ومهم، وضروري أيضا. ليت فقهاؤنا المنتكسين يقرأون بعض ما فيه.
يستحق النجمات الأربع، وبشدة
بوركت يا ابن الرومي