تقول الحكاية أن عدة أشخاص في غرفة مظلمة طُلب منهم أن يصفوا الشيء الموجود في الغرفة وكان الموجود فيلا ضخما لا يرونه ولكن يستطيع كل منهم أن يلمس شيئا مختلفا منه .. فرأى أحدهم أن الموجود في الغرفة هو خرطوم طويل أو ثعبان سميك وقال آخر أن الموجود هو حائط ضخم وقال ثالث أن الموجود هو اسطوانة تشبه جذع الشجرة وهكذا ..
الكتاب يعطيك نظرة تفصيلية من زاوية جديدة غير مألوفة على فيل لا يختلف الناس على ضخامته .. ولكنهم يختلفون في زاوية النظر إليه
والفيل هو جمال عبد الناصر!
ربما تكون قرأت مذكرات بعض الإخوان المسلمين وكلامهم في عبد الناصر أو ربما سمعت كلام بعض رفاق مجلس قيادة الثورة في شهادتهم على العصر أو غيرهم من المشاهير ولكن في هذه المذكرات ستقرأ شهادة مختلفة لشخصية جديدة اقتربت كثيرا جدا من عبد الناصر - حد الصداقة والعيش والملح - ثم اكتوت بناره كغيرها - كعادة الزعيم مع أصدقائه - وفي نفس الوقت كانت جزءا من حزب الوفد وعاصرت كيفية قضاء ”حركة الضباط المباركة“ على حزب الوفد وعلى الديموقراطية كلها في مصر
الكتاب مفيد جدا في تأريخ السنوات الأولى لحركة يوليو وفي تحليل شخصية عبد الناصر وفيه حوارات شيقة - تعجب من دقة نقلها بعد أكثر من عقدين من الأحداث حين نشرت هذه المذكرات في السبعينات - ومرافعات كاملة في محكمة الثورة حين كان المؤلف يدافع عن أقطاب حزب الوفد
دعني أنقل لك أحد حوارات المؤلف مع عبد الناصر لتعرف منه عمق العلاقة بين الشخصيتين وتعرف أيضا طبيعة التفاصيل التي ستجدها فيه في بقية حوارات الكتاب:
”وبينما أنا مستغرق في نومي ، خيل إلى أننى أسمع رنينا الجرس التليفون .. وتقلبت في فراشي وظننت بعقلى الباطن أننى في حلم، ولم أعد أسمع شيئا ..
ولكن سرعان ما وجدت زوجتى توقظني بشيء من الإلحاح، وتحركت في تثاقل وسألتها عن سبب إيقاظي ...
قالت .. تليفون من مصر .
وسألتها مندهشا ... الساعة كام ؟ وكررت قولها ... باقولك تليفون من مصر .. قوم التليفون مفتوح.
وسالتها مين طالبني ؟
قالت : واحد اسمه جمال عبد الناصر
قفزت من القراش متوجسا شرا، بل تأكدت أنه قبض عليه مع آخرين ممن يوزعون منشورات ثورية ويوقعون عليها باسم الضباط الأحرار، وقفز إلى ذهني اسم أحمد فؤاد ، وكان قاضي تحقيق بطنطا وتربطني به صلات صداقة وثيقة ، وهو أحد الذين يشاركون في طبع هذه المنشورات وتوزيعها. وأمسكت بسماعة التليفون ويدى تختلج اختلاجا ظاهرا ، وقلت بصوت قلق ... آلو . ألو ....
وأجابني الصوت من القاهرة : الو .. صباح الخير ، أنا جمال عبد الناصر . أنا متأسف اللي صحيتك من النوم . إنت عارف أنا بتكلم منين ؟
قلت لأه بتتكلم منين ؟
أنا باكلمك من مقر إدارة الجيش .
وهنا تأكدت من صحة الخبر الذي سمعته بالأمس من أن البوليس السياسي تمكن من القبض على الضباط الأحرار ... وقلت : يعنى الخبر صحيح .
وأجابني وهو يتكلم بسرعة عجيبة على غير طبيعته في الحديث ...
اسمع مافيش وقت .. أنا من الصبح باطلب أحمد أبو الفتح عندكم في الاسكندرية، لكن التليفون في بيته وتليفون المصرى مشغولين على طول .
وقطعت حديثه قائلا: كان معايا امبارح لحد نص الليل ....
ولكنه استمر في حديثه بسرعة
اسمع وما تتكلمش ، احنا عملنا انقلاب وقبضنا على قواد الجيش وعلى ماهر هيألف وزارة جديدة ، وسيذاع بيان الانقلاب النهاردة الصبح في الراديو باسم اللواء محمد نجيب بتاع انتخابات نادى الضباط .. اسمع ، اتصل أنت بأحمد أبو الفتح .... تلبس هدومك دلوقت وتجيبه من تحت الأرض وعاوزك إنت وهو تكونوا عندى النهاردة الصبح .. يعنى مسافة السكة ، أنا مستنيكم ضروري .“