ما هي المدينة؟ سؤال يصعب الجواب عنه اذا لم ننطلق من نقيضه المطلق، أي البادية، بمعنى أن المدينة هي كل المظاهر الاجتماعية التي لا نجدها في البوادي. وإذا كانت المدينة قد زادت من منسوب الحريات الفردية، وأبرزت الشخصية المتفردة والمتميزة لكل فرد من أفرادها، بخلاف البوادي حيث يذوب الفرد ضمن الجماعة ويتشابه مع باقي أفرادها، في مستوى انضباطه للقيم والتوافقات الاجتماعية العتيقة، وفي المواقف الفردية، وفي تعريفه للوضعيات الاجتماعية وكيفية التصرف إزاء كل واحدة منها... فإن المدينة غيرت ذلك بواسطة مبدأ الهوية المجهولة (anonymat)، اذ يكاد معظم سكان المدن يجهلون هويات بعضهم البعض عكس سكان البوادي حيث الكل يعرف الكل. بالإضافة إلى مبدأ تقسيم العمل الأكثر غنى وتنوعا في المدينة، والذي يجعل هوية كل فرد تتشكل نتيجة ما يؤديه من أعمال. لكننا ما نزال نلاحظ في المدن، المغربية على وجه التحديد، بعض مظاهر نمط العيش والعقلية البدويين، لدرجة ظهور قوى سياسية واجتماعية تسعى للحفاظ عليهما عبر تسوية الأفراد اجتماعيا Nivellement social، وإعادة إنتاج ذلك الفرد النمطي المختفي وسط الجماعة. يرجع ذلك بالأساس إلى قصر أمد الحياة المدنية والمتروبولية في المغرب، التي ما زالت فتية (3 أجيال) وبالتالي عاجزة عن محو قرون من حياة البادية المتجذرة في الحس المشترك المغربي. خرجت من هذا الكتاب بخلاصة كبرى مفادها أن العقلية البدوية/القبلية، هي أكبر عائق أمام الحداثة في المغرب، وأننا نحتاج إلى جيلين حضريين آخرين، وربما أكثر، كي تنمحي (عقيدتنا) البدوية على قدر كافٍ للمرور إلى نمط عيش حداثي وحضري 100 %.