عندما استعرضت كلمات هذا الكتاب، اكتشفت الهوة التي تفصل بين الكتابة عن الحقيقة كما هي مجسّدة في الواقع. عرفت أن ما بين القلم وبين الحدث، مسافة ضوئية، وأن العبارة لا تشبه الدمار التي تبتكر أحداثاً مهولة. فاللغة عاجزة عن نقل التراجيديا العربية التي تشكل حياتنا والتي نقوم نحن بلعب أدوارها. التراجيديا العربية ليست نصوصاً وممثلين، هي نحن، من دون أن نكتب كلمة واحدة فيها. بدا لي وأنا أستعيد ما كتبت، أن الفرجة أكثر ايحاءًَ من الوضوح اللغوي. الفرجة المشهدية تدجّل الحدث الى الكيان الإنساني فيرتج ويصطدم ويتخلّع. القراءة اقتباس سيء لحدث مدهش، يفقد دهشته عندما يكتب، مهما كانت الصياغة وأيّاً تكن الأفكار... إنما كان لا بدّ من الكتابة، مع الوعي بأن التقصير ستظهر علاماته في النصوص. فهي غير قادرة على لملمة عصر عربي مريع، لأن ما عشناه كان مريعاً وان ما سنعيشه قد يكون إغواء للنهايات المريقة.
خذ حصتك من القتل كتاب من مجموعة مقالات لنصري الصايغ بين سنتي 2013، و2014. تعرض هذه المقالات "فِرجة" إلى الواقع العربي بشكل عام، وإلى لبنان بشكل خاصّ. والمنظر مثير للشفقة، لكنّه بنفس الوقت واقع أليم لا مفرّ منه، ومن الضطلاع عليه. قرأتُ هذا الكتاب على مرحلتين، لمحدوديّتي في استقبال الألم، والأسى الذي تبثّه كلمات نصري. فيشبه العالم الذي يعرضه نصري، ما يوازي صادوم وعامورة، عالم مليء بالقتل، وخيبات الأمل، والنكبات، والخلط بين الديانات والطوائف، مع المصالح الشخصيّة لكلّ طرف. لربّما اعتدتُ إلى سماع هذه الكلمات، لكن بالمقابل، أحتاج إلى أن أتذّكرها حتى لا أنسى. وبوجود حتميّة للواقع، ومآسيه، ونهاياته التي تقود إلى الهاوية، يعرض نصري بصيص أمل، بالاستناد إلى من سمّاه من أهل اليقين، الفيلسوف ناصيف نصّار، ذاكرًا بعض الشخصيّات والأحزاب العقائديّة المناضلة بدل الأحزاب الطائفيّة.