انه مفهوم الاقليات الذي تعاني منه بلادنا مجددا، وربما كانت شباكنا المكسور دائما بكوننا نسقط في فخها وتصديق جذاذاتها المتهافته، اما بتطرف مبالغ فيه او بشفقة لا تقل عن ذلك، وهو ما هو واضح من عنوان الكتاب "عدو عدوي" الذي رأت فيه الكاتبة سببا اساسيا للارتماء الماروني اللبناني في احضان الحركة الصهيونية في فترة مبكرة جدا، في محاولة لعقد تحالف مسيحي- ماروني مع اليهود لمواجهة محيط مسلم- عربي معاد للطرفين، كتبرير اساسي، وعلى مستوى اقل اعتراف ايديولوجي بان كلاهما ينتميان حقيقة للعالم الغربي المتنور وسيكونان شرفته الشرقية على البحر المتوسط
الكاتبة اعتمدت برصانة على مجموعة معتبرة من الوثائق التي أعملت فيها بحثا مما اطلعت عليه بين ارشيف حكومات فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والوكالة اليهودية، مذكرات، وكتب تأريخية، مع القليل الشحيح جدا من المصادر اللبنانية، التي كان واضحا جدا وعيها بانها انما تقوم بخيانة وطنية حتى في الوسط الطائفي لها فكانت قبل ان ترفض التصريح العلني تجتهد في منع وجود أي دليل ملموس يدينها مستقبلا، لولا ان المصادر الاخرى كانت تحتفظ تقريبا بكل شيء ما سهل ظهور هذا الكتاب، غير المكتمل بطبيعة الحال لأسباب كثيرة
وعلى ضوءه فإن فيه قيمة تاريخية تظهر ارهاصات الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وعمليات التطبيع الاولى ومحاولات تكريسها شعبيا. صحيح ان الكتاب يظهر تركيزا ايديولوجيا على العقلية المارونية في لهاثها نحو التعاون مع الصهاينة، لكنه لم يوفر الكثير من القيادات الاعتبارية من كل الطوائف بما فيها القيادات السنية والشيعية
ما اغفله الكتاب في كثير من الاحيان كما اظن- هو البعد الطبقي الانتهازي في تلك الصلات، فعلى كون القيادات السياسية والدينية المارونية كانت الاكثر بروزا في مرحلة التعشيق مع اليهود، الا ان من السهل ملاحظة ظهور صراع في داخل الاقطاعية اللبنانية للفوز بأقرب تلك العلاقات مع الصهيونية الدخيلة، من منطلقات مكاسب غالبا ما تفوقت على أي اعتبار عقائدي
فهل يبدو مفاجئا لبعضنا ان هناك تيارا كان يلح على وايزمان باستيطان لبنان وضمه للدولة اليهودية المفترضة في النهاية؟ لقد كان هناك صراع محموم فعلا، وحين كان يبدو ذلك غير منطقي بالنسبة للصهيونية لأسباب متنوعة، كان هناك من يريد ان يسلم الجنوب اللبناني كاملا للاحتلال والشمال لسوريا للمحافظة على نوع من السيادة الطائفية التي وان كانت بلاهات عصبية الا انها استندت الى نوع من تلك الثقافة التي كرسها الاستعمار الفرنسي طوال فترات احتلاله
الكتاب زاخر بمادة دسمة وكثيفة لا تعدم الفائدة لقياسها على اوضاعنا الحالية، وما يتعلق بالخطاب الاثني والعرقي والطائفي وملحقاته الفدرالية والحكم الذاتي وهلم جر
ملاحظة لا بد منها، ليس بداعي المجاملة ومراعات الحساسيات، لكن الكاتبة لم تستطع الا ان تلاحظ ان العوام من ابناء الطائفة المارونية من خارج النخبة كانوا هم البعبع الذي يخيف عملاء الصهيونية في لبنا اكثر من غيرهم. لقد ارتعب أحد الرعاة بطاركة بكركي حين صرح احد قساوسته بالتحالف مع اليهود لحماية المسيحين، وقام بنفيه تحت ضغض ابناء الكنيسة ذاتهم. هذا يعني ان الانعزالية جهد تمارسه نخب ذاتية المصالح، واختلاف الطائفة او الاثنية لم تكن مبررا الا للقوة فيما نحن نراها بعبعا مخيفا في كل الاطراف، ربما بسبب الذهان والاستلاب الثقافي..