عندما أبلغت بحلول أنور حامد الى قريتي مجد الكروم في الداخل الفلسطيني, لتوقيع روايته التيه والزيتون والإحتفاء بها وبه. قررت أن لا أتغيب عن لقاء عز مثيله, في ظل الحصار الثقافي المفروض علينا في الداخل من قبل العالم العربي الغير فاضي لشعب مثلنا. المهم اني حصلت على الرواية في ليلة اللقاء مع الكاتب, وأنهيتها في جلسة واحدة.
الأمسية كانت عفوية وجذابة خاصة أنها استضافت أيضا الصحفي خالد عيسى. أنور حامد كان بشوشا وتلقائيا في الطرح والرد على أسئلة الحضور, متوائما مع طرحه الروائي السلس كما سآتي على ذكره.
تقييم الرواية -
الرواية تتحدث عني كواحد من اللذين شائت الأقدار أن يبقوا في الداخل دون أن تقع عليهم قبضة التهجير. لذلك فلي وجهة نظر في المعلومات الواردة داخل الرواية فيما يخصنا نحن عرب الداخل, سأوردها لاحقا.
الحوار
من الناحية الأدبية اعتمد أنور حامد على تقنية المونولوج أو الحوار الداخلي من أجل كشف مكنونات الشخصيات وطرح وجهات النظر وكشف الجوانب والصارعات النفسية لدى الشخصيتين : منير وسمر. سادت في الحوار الداخلي اللغة الفصحى, وهذا الاختيار كان موفقا ففي المونولوج طرح لمعلومات ومواقف ذات صبغة علمية تحتمل الفصحى. ولكي تكتمل الصورة الروائية اعتمد انور الديالوغ أو الحوار الخارجي, والذي شكل امتدادا للمونولوج, وكشف ردات فعل الشخصيات في الواقع بعيدا عن النفس, وتفاعلها مع الأحداث, الأمكنة والشخصيات. في الديالوج وظف حامد اللغة أو اللهجة العامية الفلسطينية (لهجة المدينة), حيث شكلت اللهجة العامية أكثر من نصف حجم الرواية, وهذا تحدي لروائي يقرأه قراء من دول عربية ذات لهجات مختلفة. اللهجة العامية شكلت موتيف لغوي وسمعي يعلق في أذن القارئ, خاصة وان اللهجة تضفي سلاسة وتلقائية وتدفق على الرواية.
السرد
سردية الرواية اعتمدت على الضمير المتكلم, ويتحاصص السرد بين شخصيتين رئيسيتين : منير وسمر. ازدواجية الراوي او السرد كانت ناجحة, فالشخصيتان رغم نشوء علاقة حب بينهما الا انهما يقعان على طرفي نقيض في المكان والعمر والظروف والبيئة والتعريف ... هذا التناقض يورط القارئ في الأحداث حيث تكتمل لديه الصورة ويصبح مجرورًا نحو النهاية.
الشخصيات وظروف القصة
رغم أن الكاتب أورد في فاتحة الكتاب "تنويه وتحصيل حاصل" بشأن علاقة الروائي بالرواية وأحداثها وانه يبرئ ذمته كون الرواية لا تتحدث عنه, ولكن اختيار اسماء الشخصيات لم يأت صدفة فمنير حمدان المتخيل يقابله في الواقع أنور حامد وصلاح الناشر يقابله صالح عباسي في الواقع, وديفيد هو أحد شخصيات حامد في رواية جنين 2002 الخ. ما أريد ذكره هو أن اختيار الكاتب للشخصيات والاسماء لم يكن عبثيا وانما وراءه تفكير وقصد, ربما يهدف لإثارة بلبلة أو جدلية الواقعي والمتخيل لدى القارئ فيجذب عقله وانتباهه او ان لديه هدف شخصي خفي لا املك ان اتكهنه.
أين ذهبت النجمتين في التقييم
رغم رشاقة الاسلوب وتدفق الاحداث الا ان لي ملاحظات على رواية التيه والزيتون; لا يمكن أن اقبل بأي حال من الأحوال أن يظهر عمل فني عن فلسطينيو الداخل وفيه الكثير من المغلوطات الجوهرية والتي تخطئ الحقائق كما يخطئ السهم الهدف. في الرواية حديث مغلوط عن الدروز في الداخل وعن علاقتهم بالدولة وعلاقتهم بباقي الشعب الفلسطيني, فالدروز غير منقسمون على خدمة الجيش, هم مقتنعون في معظمهم بخدمة الدولة والإنتماء لها, وحالات رفض الخدمة العسكرية لا تكاد تذكر, ومن ينتمي منهم الى الشعب الفلسطيني بعكس الاغلبية التي تنتمي للدولة لا يتعدون أصابع اليد الواحدة. ثم أن زواج المسلمة لدرزي غير وارد خاصة اذا كانت ذات شخصية وطنية واعية وزوجها ضابط أمن (توليفة خيالية).
شخصية سمر غير مقنعة بالمرة وفيها نحت واقحام لصفات لا تلائم تصويرها الروائي, فهي من ناحية شخصية متحررة تسبح في البحر عارية وتنام مع رجل قابلته للتو مأخوذة بسحره الروائي فقط, وبنفس الوقت تصوم لتعويض الايام التي فاتتها من رمضان بسبب الحيض. هي من عائلة متحررة تستقبل صديقها المسيحي في البيت وتتقبل خروجهما مع بعض, ومن ناحية اخرى عندما يتعلق الامر بالزواج ترفض العائلة بسبب الدين مرة وبسبب الفارق العمري مرة اخرى. بالإضافة الى انها لا تجمع تتناقد وتتناقض في داخلها فهي غرة مندفعة شهوانية عشقت كاتبا افتراضيا ونامت معه في أول لقاء, رغم انها واعية ومتعلمة تحمل شهادة في الهندسة المدنية وهذا لا تحتمله شخصية واحدة الا اذا كانت شخصية في جيل المراهقة وهي ليست كذلك. الأمر مشابه بالنسبة للراوي منير حمدان, شخصيته كانت منقوصة توقفت عند علاقته بالنساء والوطن دون أن تبدر منه محاولة واحدة لزيارة امه التي تحتضر في الضفة, كان شخصية متطفلة لا مبالية تعتمد على الغير اكثر مما تعتمد على نفسها, شخصية لا تليق براو.ٍ.
هناك مشاهد مبتذله ومقحمة كذكر صيام سمر من أجل تعويض ما فاتها من رمضان بسبب الحيض وهذا لا يتناسب وشخصيتها, هناك اقحام لذكر الحيض كأنه محاولة لثبيت جانب نسوي للرواية. وصراع منير الداخلي عندما ابلغ بان امه تحتضر دون ان يحاول زيارتها معتمدا على توصيله أو تريمب للضفة. وايضا مشهد المطار وتحقيق جمال ضابط الامن مع منير كان مبتذلا فهناك الكثير من الاشخاص يحملون اسم قادر وعبد القادر, ثم ان كيف لشخص درزي أن يقول بانه اسم قادر يعد كفرا وهو ليس بمسلم ولا يفقه بالحلال والحرام, والجدير بالذكر ان معظم من يخدمون في الجيش من الدروز غير متدينين ويميلون الى المدنية أكثر من ميلهم الى الدين.
هناك ايضا معلومات خاطئة عن محطات القطار والقرى في الداخل لا يسع المجال لذكرها
انتهت...