هذا الكتاب ليس دفاعا تقليديا عن الإيمان والدين، وإنما هو دعوة إلى تأسيس الإيمان على حال التأمل والتدبر، كما يقول كاتبه، وقد كتبه على طريقة مقالات اشتهرت بين الناس، كما فعل برتراند راسل "لماذا لست مسيحيا"، وجون ستوت "لماذا أنا مسيحي"، وبهجت سنغ "لماذا أنا ملحد"، وغيرهم.
وقد حاول فيه دحض الرابط بين الإلحاد والمعقولية العلمية، وأظن أنه يملك حقا الأدوات المعرفية الكافية لفعل ذلك، فقد تبين لي مدى أفقه المعرفي، وسعة إدراكه واطلاعه على أمهات الكتب الفلسفية التي مهدت للإلحاد بشكل واضح.
ولا أزال أذكر لحظة شرائي له، إذ كان من الكتب التي شاهدتها صدفة، فأخذتها وتصفحتها لأقع في الإعجاب بها، رغم تخوفي حينها منه، فالكتاب والكاتب مجهولان لي تماما، ولم يمرا علي أبدا في هذا الموقع أو غيره، وهذه إحدى العلامات التي أرتاح إليها قبل شرائي للكتاب، لكن مما زاد من عزمي لشرائه قلة صفحاته، إذ إن لم يعجبني فلن أكون بذلك أضعت عليه الكثير من الوقت، ولكني أقول الآن بأنني وفقت -ولله الحمد- في اقتنائه، ومن الجيد التعرف إلى هذا الكاتب، والذي يبدو لي وبشدة تأثره بالفيلسوف طه عبدالرحمن.
ما الذي أعجبني في الكتاب؟
لغته العلمية متمكنة، بل وسعة مداركه لغويا واضحة، وهذه إحدى العلامات التي رأيتها تجمع علماء الفكر، فكلما اتسع الفكر وقويت الأدوات النقدية لدى المفكر، كانت معرفته باللغة أقوى وأوسع [والعكس صحيح]، بل إنه وصل لمرحلة من التحكم بالمصطلحات ونحتها ونقدها كبيرة، وذلك ما شهدته الهوامش المليئة بتصحيحاته وتعقيباته على كثير من المصطلحات الفكرية، لامتلاكه للأدوات التي تمكنه من ذلك، وهذا ما لاحظته على صاحبنا.
كذلك الكتاب متنوع المواضيع المتناولة والتي لها علاقة بالملحد من حيث سبب إلحاده، لا سيما عقليا ومنطقيا، وقد أفادني في كثير من المواضيع، ولفت نظري بجودة طرحه، وشدة تمكنه، حتى أنه انطلق من "شهادة لا إله إلا الله" لإثبات الألوهية ووجود الإله بشكل مذهل! فكأنه يقول لك أستطيع من عبارة، ومن ذرة تضعها بين يدي أن أثبت لك عن طريقها وجود هذا الخالق، وهذا ما أدعوه بالتمكن.
كما انطلق من الفاتحة لبيان عظمتها وعظمة هذا الكتاب ومن ثم المتكلم به سبحانه بشكل رائع ومؤثر.
اطلاعه على الفلسفة الغربية وتأثره بها واضح، لذا جاء استعراضه لأفكاره على ضوئها، وهذا قد يكون جيدا من حيث أن المخاطب بحديثه كذلك هو متأثر بها، لذا من الجيد أن يخاطبه بنفس لغته.
ما الذي لم يعجبني في الكتاب؟
توقعت أن يعالج السؤال الذي طرحه بطريقة أكثر منهجية، فقد فاجأني بأن ما فعله في الإجابة على السؤال هو عن طريق جمعه لمقالات له، نعم المقالات أقل ما يقال عنها قيمة! لكن للمحاجة والمناظرة ودحض الأفكار أساليب يجب أن تتبع، فالكتاب ليس منهجي في محاولة الإجابة على السؤال والتضييق على الخصم، لكنه مع ذلك يملك من الأفكار والحجج الشيء الكثير، والذي يشعر المرء إزاءه بالحزن إذ لم تعرض على شكل صورة متكاملة ومتناسقة للرد بشكل متكامل على الملحد وتبيين خطأ مذهبه، لذا أظن أن الكتاب يستفاد منه للرد على بعض الحجج، لكن لا يكتفى به، وهذا لا يمنع كذلك من أن يكون مؤثرا وقويا في بعض النقاط والتي لا بد لمن هو ملحد أو متأثر بالملحدين أن يطلع عليها فهي تستحق بلا شك الاطلاع عليها، لكن كذلك لا يمكن أن يقال بأنه كافي لوحده.
كذلك لا أتفق مع كل ما ذكره -أحيانا بشكل عرضي- في ثنايا حديثه، ولكن من قال بأننا يجب أن نكون متشابهين في الأفكار والعقول، فالاختلاف جيد لاستعراض الآراء ومشاهدتها من جانب آخر، وإن أخطأ فيغفر لقليل خطئه بكثير صوابه.
أخيرا: لقاء مثمر مع كاتب جديد.. هذا ما أسميه هدية ربانية.