● (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الجدل بالتي هي أحسن يكون بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل ولكن الإقناع والوصول إلى الحق..
فالنفس البشرية لها كبريائها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأى الذي تدافع عنه إلا بالرفق حتى لا تشعر بالهزيمة. وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأى وقيمتها هي عند الناس فتعتبر التنازل عن الرأى تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها ..
والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء ويشعر المجادل أن ذاته مصونة وقيمته كريمة وان الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها والاهتداء إليها في سبيل الله لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر لأن الله هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين فلا ضرورة للجاجة في الجدل إنما هو البيان والأمر بعد ذلك لله وهذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل بالحجة.
● لا تخاشن العاصى وأنت تدعوه إلى الحق فتجمع عليه مرارتين مرارة التخلى عن عادة أنس بها زمنا ثم مرارة الشدة المزعجة له.
● اعلم أن واقعة آدم عليه السلام عجيبة ..
وذلك لأن الله تعالى رغبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله: ( فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ • إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ • وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ) .
ورغبه إبليس أيضا في دوام الراحة بقوله ( هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ ) وفي انتظام المعيشة بقوله ( وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ )..
فكان الشيء الذي رغب الله آدم فيه هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها ..
ثم إن آدم عليه السلام مع كمال عقله وعلمه بأن الله تعالى مولاه وناصره ومربيه أعلمه بأن إبليس عدوه حيث امتنع من السجود له وعرض نفسه للعنت بسبب عداوته ... كيف قبل في الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بكمال عداوته له وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه هو الناصر والمربي ...
ومن تأمل في هذا الباب طال تعجبه وعرف آخر الأمر أن هذة القصة كالتنبه على أنه لا دافع لقضاء الله ولا مانع منه وأن الدليل وإن كان في غايه الظهور ونهايه القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله تعالى ذلك وقدره .
☆ المجلد الرابع يحوى تفسير سبع سور و هى :
(إبراهيم -الحجر - النحل - الإسراء - الكهف - مريم - طه)