أحب علي الجارم، وأحسب أن هذه بداية لازمة لأقول إنني لم أحب هذا الكتاب الذي كتبه ابنه عنه، حسبي إنه لم يرو ذكرياته عن أبيه على أي حال، ولم يجئ أكثر الحديث عن شخصية الجارم نفسه، وإنما هي شهادات كثيرة قالها رجال الأدب في حق علي الجارم والحديث عن آثاره الأدبية، وهي شهادات كثيرة شغلت مساحة واسعة من هذا الكتاب، ثم يأتي في آخر الكتاب ملحق المقالات المتفرقة التي كتبها ابنه عن والده في عدد من الدوريات والصحف، وأكثرها أيضًا في الدفاع عن والده ولا سيما في الردّ على ثلاثة أشخاص بارزين تعرّضوا له سلبًا، وهم طه حسين وزكي مبارك ومحمد مندور، وخاصمهم المؤلف د. أحمد علي الجارم كثيرًا، واشتطّ في خصومته لهم بدرجة قبيحة، مع أن كثير من الذي قاله لم يكن يستوجب قوله، وكان يمكن للرد أن يكون أهون من ذلك بكثير وأكثر تأثيرًا ونفاذًا، فها هو المؤلف الولد البار بوالده يختم حديثه عن طه حسين، فيقول: أن الجارم ذهب للقاء ربه وكتابه في يمينه، وذهب طه حسين أيضًا للقاء ربه بعد ذلك – ولا أعلم أين كتابه: أفي يمينه أم في يساره؟، - وسوف يحاسب كليهما إله عادل رحيم، ولا أدري أيضًا أين سيذهب كلاً منهما – ولكني واثق كل الثقة أنهما لن يكونا في مكان واحد
إنه احتاط حقًا!، وأحسبه أعاد كتابه هذه الفقرة، وكأنه كتب في البداية: أن طه حسين سيتناول كتابه بشماله، ثم أحسّ أن هذه كلمة غير لائقة وتتنافي مع الإيمان العميق!، فمسحها، ثم كتب بدلها: "لا أدري أيتناوله باليمين أم بالشمال؟!"، فخفّف من وقع الجملة قليلاً، ولكنه أعاد النظر إلى ما كتبه ولم يرض عنه كذلك لأنه أحسّ أن هذا التخفّف ذهب – أو كاد - بالمعنى الذي يريد قوله بالذات، فأضاف في النهاية بعد تفكير بسيط: أن "أنهما لن يذهبا إلى مكان واحد!"، وهذا هدم الاحتياط صراحة!، فما دام كتب أن والده سيتناول كتابه بيمينه، أي أنه من أصحاب الجنة، وما دام قال إنه على ثقة أن طه حسين لن يكون معه في نفس المكان، أي أن طه حسين سيكون في جهنم دون شك وسيتناول كتابه بشماله كذلك وبئس المصير!
ولكن حسبه أنه أخرج ما يريد قوله تمامًا
وأما عن ذكي مبارك، فها هو يختتم حديثه أيضًا عنه بمقارنة ميتتهما!، فيقول في كلام طويل أن ذكي مبارك توفى في حادثة، لمّا صدمته عربة (كارو) يجرها حصان - وقد وضع كلمة (كارو) بين قوسين - فتصيبه إصابة بالغة ينقل على إثرها إلى قسم (سطوح رجال) بالقصر العيني ليلقي حتفه في اليوم التالي – وقد وضع كذلك كلمة (سطوح رجال) بين قوسين بعد أن تعمد ذكرها مع تفاهة الأمر ولكنه أراد توصيل معنى الإهانة والاحتقار
ثم يقارن هذه الوفاة بالوفاة الهادئة الوديعة لوالده، الذي مات وهو يستمع إلى ابنه وهو ينشد بالنيابة عنه قصيدته في حفل رثاء النقراشي، وكيف أن رأس والده مال على صدره وفارق الروح وذلك عندما وصل ابنه في الإلقاء إلى البيت: نم هادئًا!، إن الغِراسَ وريفةٌ تزهو بأكرم تُربةٍ وقِطافِ
ثم ينهي مشهد المقارنة باحتياطه المعتاد، فيقول مباشرة: ولا تعليق!، فالله وحده أعلم بما يجري وما يدور وله الأمر من قبل ومن بعد وهو على كل شيء قدير وهو الرءوف العادل والرحيم
أريد أن أقول فقط أن ابنه ذهب بعيدًا، بعيدًا جدًا، في دفاعه عن والده، واستشاط غضبًا وغيظًا على امتداد صفحات كثيرة من صفحات كتابه هذا، بل وقال صراحة أن الثورة كانت بالمرصاد لوالده (ووالده توفى في فبراير 1949، قبل قيام الثورة) وأن المبادئ الستّة التي أعلنتها الثورة عند قيامها اكتشف المؤلف أنها كانت في الحقيقة سبع مبادئ!، أو كما يقول: إلا إنني اكتشفت – فعلاً لا قولاً – أن هناك مبدأً سابعًا – وهو من المبادئ التي حققتها – ألا وهو التعتيم على الشاعر علي الجارم، فقد فرضت رقابتها العسكرية الحجر على إعادة طبع شعره وكتبه، وشجعت بعض الكتاب الاشتراكيين واليساريين مثل الدكتور محمد مندور، على مهاجمة أدبه وشعره
وأنا أعلم أن يدي الآن في الماء، ولا علم لي بهذه الظروف، ولكنني قرأت ديوان علي الجارم وبعض مؤلفاته الأخرى، وأحسب أن هذا يكفي لمحاولة الرد على بعض هذا الكلام، فمن الحجج التي ساقها المؤلف على لسان أولئك الأعداء أن والده علي الجارم كان شاعر الملك يكثر من النظم في المناسبات الملكية، فردّ عليهم في نقطتين، أولهما أن الملك فاروق كان يُعتبر رمزًا للوطن، وكان محبوبًا في بداية عهده، وأن والده في قصائد المدح صعد بالمناسبة ككل إلى مقام الشعر الخالد، ثم يضيف المؤلف الابن كلمة غريبة، وكأنه يعتذر!، فيقول: إلا أن الجارم كان قد أدرك ذلك بحسه المرهف وشعوره الصادق وبصيرته النافذة فكفّ عن نظم الشعر في فاروق منذ عام 1945، وقد تحوّل معظم أدب الجارم بعد تقاعده عام 1942 إلى الإنتاج الأدبي القصصي التاريخي، فكتب قصصه العشر ابتداءً من عام 1942 وحتى وفاته عام 1949، وقد تمكّن في هذه القصص التاريخي من التعبير عن صادق مشاعره وآرائه وأفكاره بكل الأمانة وكل الصدق
هذه هي الفقرة الكاملة بنصها، و1945 أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي أن والده قد أدرك عندها بحسّه المرهف فساد الملك، وأدرك خطئه في مدحه طوال هذا الوقت، فتوقف منذ عام 1945 عن ذكره في شعره، وانشغل عوضًا عن ذلك في كتابة الروايات التاريخية، هذا كلام الابن، أو هذا ما يُفهم من ربط هذا بذاك!، أيّ: التوقف عن ذكر الملك فاروق والانشغال بكتابة الروايات التاريخية (!)، وهذا ببساطة غير صحيح وخلط واضح
فأولاً، كان من اليسير على الجارم أن يختار حوادث تاريخية ويسقط رموزها على الواقع، فهناك في التاريخ الكثير من سير الملوك الفاسدين مما يصلح للتعبير من خلال قصص حيواتهم عن غضبه من استبداد الملك المعاصر بالحكم وفساده!، ولكن الجارم لم يفعل!، وجاءت رواياته النثرية لتتناول في غالبها الأغلب حيوات شخصيات شاعرة كالمتنبي وابن زيدون وأبي فراس الحمداني والمعتمد بن عبّاد، أي لم يستفد من ستار الرمز ليقول رأيه في الملك مواربةً، لذلك لا معنى لكلمة الابن في أن والده استطاع من خلال هذه الروايات التعبير عن "صادق مشاعره وآرائه وأفكاره فيها"!، ما دام لا تلميح أو رمز في تلك القصص عن حكم الملك فاروق، أي لا رابط بينهما
وثانيًا، أن الديوان يكذّب مزاعم سنة 1945 هذه، ففي شهر يونيه عام 1947 طلب الأمير المغربي البطل "محمد عبد الكريم الخطابي" من "الملك فاروق" اللجوء السياسي إلى مصر، تخلصًا من المنفى الموحش الذي فرضته عليه فرنسا الاستعمارية عشرين عامًا، وقد وافقت فرنسا ووافق الملك فاروق على هذا اللجوء، مرحّبًا بالأمير القائد البطل عنده في مرحلة حياته الأخيرة، وأكرم جواره، والشاهد أن الجارم (رغم انشغاله في هذه الفترة بتأليف رواياته التاريخية العشرة) انتهز هذه المناسبة التي حدثت عام 1947 وقال في نهاية قصيدة ترحيبه بمجيء الضيف الكريم إلى مصر: قصدَ الفاروقَ يبغي مؤئلاً في رحابٍ لبني العُرْبِ فِساحْ
همّةٌ جاءت تناجي همّةً ويدٌ مُدَّتْ إلى أكرمِ رَاحْ
مَلِكٌ يرنو لعُليا مَلِكٍ وطِماحٌ يتسامَى لِطماحْ
فثوَى في خير غمدٍ آمنًا: صارمٌ أرهفَهُ طولُ الكفاحْ
لم يجدْ غير بشاشاتِ المُنى وارتياحٍ للندَى .. أيَّ ارتياحْ
وكان في استطاعته بالتأكيد عدم ذكر الملك فاروق بهذه الصفات الجليلة في هذه المناسبة، وكان يكفيه أن يقول أن مصر رحّبت بضيفها الكريم، أو أن شعبها الوفيّ مثلاً يذكر أجمل الذكر كفاح الأمير المغربي وبطولاته في مواجهة الاستعمار، هذا إذا كان الجارم غيّر رأيه في الملك فاروق منذ عام 1945!، وهذا ما لم يحدث كما سبق، فكان هذا الافتراض: فرط تخيّل من ولده إذن وبدون سند، إلا أن هناك مقولة شائعة في علم النفس تقول أن الذي تكره وجوده في الآخرين هو عينه الذي تكره وجوده في نفسك!، أي بتحريف بسيط فأن المؤلف لم يرض كذلك عن كثرة المديح الذي قالها والده، وفي مناسبات شتّى متلاحقة، كرثاء الملك فؤاد، ثم التهنئة بيوم جلوس الملك فاروق على العرش، ثم ذكرى عيد الجلوس، وعيد ميلاد الملك فاروق، ويوم الزفاف الملكي، ويوم ميلاد الأميرة فريال، وذكرى وفاة الخديو إسماعيل، وتهنئة الملك فاروق بعيد الفطر، والترحيب به أثناء قدومه إلى مسقط رأس الشاعر، وغير ذلك
ولكنه – أي ابنه – لم يقل ذلك صراحة، وإلا لأسقط جانبًا كبيرًا وضخم من ديوان والده، ثم أن الابن هنا كان في مقام الدفاع عن والده، لا الوقوف في صفّ الأعداء!، ولكن على أي حال وبشكل غير مباشر فإنه قالها!، أقصد كل كلامه عن أن هذا الشعر لم يكن بشعر مناسبات وأنه ارتفع عن مقام المناسبة وأن الملك فاروق كان محبوبًا في بدايات حكمه، وما إلى ذلك، ولكن كل هذا الكلام لم يتمخّض عن نتيجة، أقصد إنني لا أتذكر خلال قراءتي لهذه المقالات والشهادات المتعددة في شاعرية وأدب الجارم، أن أحدهم – حتى ابنه نفسه – استشهد بأبيات من قصيدة مدح ملكية!، ولو بيت واحد!، ليستشهد منها بأبيات حكمة مثلاً أو تجربة حياتية أو أي شيء يخلّصها من مقام المناسبة!، لا شيء، لاشيء على الإطلاق!، وهذا يعني أن التطبيق قصّر عن إثبات النظرية تقصيرًا فاحشًا، وبما أن الشيء بالشيء يذكر فأنني ما زلت أذكر أول مرة قرأت فيها قصيدة الجارم عن ميلاد الأميرة فريال بنت الملك فاروق، فلمّا قرأت البيت الأول الذي كان: بَيْنَ صَحْوِ المُنى، وحُلْمِ الخيالِ سَبَحَ الشِعرُ في سماءِ الجمالِ
ومضى سانحًا يهزُّ جناحيْهِ على شاطئِ السنينَ الخوالي
تثاءبت، وجلست انتظر ملولاً أن تجيء قافية "فريال"، الذي لا بدّ أن يأتي بها، ثم .. إيهِ!، فبعد أكثر من 80 بيتًا من المديح الخالص سمح الشاعر لقافية "فريال" أن تظهر أخيرًا، وكأنه كان يخزنها ليثير تشويق القارئ لها فقط، وهو الذي كان ينتظرها منذ البيت الأول!، فكان البيت: وإذا مصرُ: أعْيُنًا وقلوبًا تَقبسُ النورَ من سَنا فريالِ
وهي كلها أبيات متهدلة وثقيلة وتثير الإشفاق والملل لقارئ العصر الحديث الآن الذي يقرأها بعد فوات المناسبة، أي أنها لم تعل بالمناسبة لتستحق الخلود في الزمان، فهل هذا – وغيره من أمثاله – شعر مناسبات ارتفع بالمناسبة أو – تُراه - قد سفلَ إليها وأزرى بنفسه؟!، إن الإجابة واضحة، وأي استشهاد في هذا الكتاب بأي فقرة من قصائد الجارم الملكية كان سيجعل القارئ يرى بنفسه صحّة الاتهام في بعض نواحيه، بدلاً أن يقرأ الكلمات اللامعة في هذا الكتاب التي ساقها الابن وغيره في محاولة رفع شأن قصائد المديح، وهي مثل محاولة رفع ما لا يُرفع، وإزالة ما لا يُزال، إلا ومع كل هذا – وهذا مربط الفرس – فأن قيمة علي الجارم لا تتمثل في هذا الشعر الذي قاله في المناسبات الملكية، وأدنى دليل على ذلك هو ما ذكرته قبل قليل بأن كافة الشهادات التي وردت في هذا الكتاب جاءت خالية من ذكر أي بيت من قصائده المدحية!، ومقارنة هذا المسلك بشعر المناسبات الملكية عند المتنبي التي لا يخلو منها شاهد من شواهد كتب الأدب، تبيّن وتقول وحدها أن مديح الجارم – مقارنة بمديح المتنبي في هذه الحالة - كان شيئًا ساقطًا من تلقاء نفسه، ولو لم ينظم الجارم سواه لما تذكره أحد أو لما مرّ ببال كائن ما كان، بينما لو لم ينظم المتنبي سوى ما قاله في سيف الدولة، لكفاه مجدًا!
ويتبقّى شيء!، فأنا لا أؤمن بنظرية المؤامرة، ونظرية التعتيم على الشاعر العظيم هذه، ومع حبّي للجارم الذي أعيده وأكرره، إلا إنني بالتأكيد لن أسلكه مع الشعراء الذين كانوا أيقونات العصر في المكانة والشهرة، وكذلك مع حبي لصالح جودت وعزيز أباظة وحسن كامل الصيرفي وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه، وغيرهم، إلا أن كل هذه الأسماء على فضلها وقدرها وموهبتها الطاغية ليست إلا عبقريات فردية، كدرر متناثرة وحدها، فما هم من أصحاب أعمدة عصرهم في مذاهبهم، مثلما شوقي علم في مذهبه في الشعر، ومطران مدرسة وحده، وكذا صلاح عبد الصبور ومحمود درويش وغيرهم، فكل منهم يقف عملاقًا في بابه
لذلك لا أرى بالتأكيد إن الجارم سدّ مسدّ شوقي بعد موته مثلما ورد ذلك في هذا الكتاب مرارًا ، فهذا افتراء على التاريخ ببساطة!، وهذه الكلمة الواردة في الكتاب مضحكة: كانوا الكواكب الثلاثة الأكثر إشراقًا في سماء الشعر العربي: شوقي وحافظ وعلي الجارم، وإذا كان الجارم آخرهم ترتيبًا في الزمن، فإن إبداعه – فيما أرى – يتقدّم به خطوة ليجعله واسطة العقد كما يقولون، ويسبقهم جميعًا في تنوّع ثقافته وغزارة إنتاجه وكثرة مؤلفاته وأصالتها وسعة انتشارها
أو تلك وهو يتحدث عن ثورة يوليو: وكان من غباء هذه الرقابة العسكرية في ذلك الوقت، أن أمرت بحجب دواوين الشعراء الكبار أمثال شوقي والجارم بحجّة أن لهم قصائد في مدح ملوك مصر
أو تلك: ولمّا انتقل شوقي وحافظ إلى جوار ربهما عام 1932 وجدَ "علي الجارم" نفسه مطالبًا بأن يملأ هذا الفراغ وأن يحتل القمة الأدبية – وقد احتلها فعلاً – [..] ليصبح شاعر مصر وممثلها في المحافل الرسمية سواء كانت هذه المحافل في القاهرة أو الخرطوم أو في بيروت أو في بغداد، أي في العالم العربي بأكمله
فاقتران الجارم مباشرة بعلميْ هذا العصر: شوقي وحافظ، بهذا الشكل، لم يسبق لي قط قراءته هكذا إلا في هذا الكتاب، ودهشت عندما لم أجد خلال صفحات هذا الكتاب كله أيَّ ذكر للشاعر الحقيقي الفعلي الذي خلف شوقي وحافظ في مكانتهم وعلى منابرهم التي اعتاد الشعب رؤيتهما عليها، ذلك الذي كانت الناس طواعية تلحق اسمه باسم الراحلين: شوقي وحافظ، وفي سياق واحد متصل، وكذلك كل مؤرخ منصف أرّخ لهذه الفترة، ألا يبدو هذا الثلاثي مألوفًا: شوقي وحافظ ومطران!!، بلى!، فخليل مطران كان هو الضلع الثالث في المثلث الذهبي، مثل المثلث الأموي الأشهر: الفرزدق وجرير والأخطل، ولم يكن الجارم على الإطلاق ثالثة الأثافي، ومطران هو القائل بعد وفاة شوقي وحافظ:
الطيّبُ المحمودُ من عمري مَضَى والمُفتدَى بالروحِ من خُلصائي
لا، بل هما منّي جناحا طائرٍ رُمِيَا، ولم يكُ نافعي إخطائي
يا صاحبيَّ غدوتُ منذُ نأيتُما أَجِدُ الحياةَ ثقيلةَ الأعباءِ
لا ليلَ عافيةٍ هجعتُ به، ولا يومٌ نَشِطْتُ بهِ من الإعياءِ
أنا "واحدٌ" في الجازعين عليكما وكأنّما ذاكَ البلاءُ بَلائي
وهذه كلمات كان مطران يدرك ساعة قولها أنه وحده هو الجدير بقولها من بين سائر الناس، فإنه كان يدرك أنه هو ثالث ثلاثة جمعهم رباط عجيب لم يتسع سوى لهم فقط!، إذن أين ذكر مطران في هذا الكتاب كله وهو الأشهر والأخصب والأكثر دورانًا وانتشارًا على الألسنة وإلقاءً في شتّى المناسبات والدول العربية من الجارم وبفارق ساطع؟ .. الإجابة: إنه لا وجود له في هذا الكتاب برمته! .. وفي وسعي إذن أن ألبس ثوب الخصم المتحامِل وأعترض أشد الاعتراض على تجاهل ذكر خليل مطران الجدير هنا بكل هذا الثناء الذي سيق إلى الجارم دون حق!، مثلما حمل مؤلف الكتاب حملته الشعواء على طه حسين لأنه "تجاهل" – مجرد تجاهل - ذكر اسم الجارم، وعندما ذكر اسمه أخيرًا ذكره وسط أسماء شعراء آخرين ذوي مكانات متباينة، وهذه هي جريرة طه حسين المباشرة ضد علي الجارم صراحة، ولكن المؤلف وسّع الدائرة وهاجم أشياء كثيرة أخرى في طه حسين لم ترتبط ارتباطًا مباشرة بشخصية علي الجارم، ومنها بالتأكيد موقف طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي وتشكيكه في قصة سيدنا إبراهيم!، وبالتأكيد ذكر هذا من أجل التمهيد لما سوف يقوله فيما بعد من النهاية السيئة التي تنتظر طه حسين في العالم الآخر وكيف أنه من أجل ذلك سيتناول كتابه بشماله ولن يكون في مكان واحد مع علي الجارم، كما جزم بذلك ابنه!
ولا أدري حقًا، لماذا كل هذه الكراهية والتشفي والشماتة في الموت وعاهة العمى، وكل هذا الكلام غير الموضوعي، وإلا فالعقاد دوره في هذا الكتاب جميل وبارز، فالعقاد كان يحب الجارم كثيرًا شخصيًا، ورثاه بشعر جميل، لذلك فقد رحّب به نجل علي الجارم في كتابه بصورة جميلة، طيّب!، لا بأس!، ولكن هل يعلم أن العقاد لا يعترف بشوقي في عالم الشعراء (والجارم يرى أن شوقي أباه الروحيّ)، فشوقي في نقد العقاد ليس سوى ناظم احترف النظم دون وجود موهبة الشاعرية فيه، لا في معانيه ولا في ألفاظه ولا فهمه لدور الشعر!، وكل هذه الاتهامات معروفة، لدرجة أن "مهاوشات" طه حسين وزكي مبارك ومحمد مندور الخفيفة لعلي الجارم، وأقصى اتهامات هذا الفريق للجارم قولهم أنه - أي الجارم - كان شاعر الملك وشاعر المناسبات، وهذه المهاوشات التي أثارت مكامن غيظ ابنه، لا تُعدَّ شيئًا بجوار فداحة الاتهامات التي ألقاها العقاد على رأس شوقي!، ولكن هل قلّل هذا من قدر شوقي في النهاية؟، والأهم هل قلّل هذا من قدر العقاد؟ .. لا!، إذن فلماذا احتكر المؤلف مفتاح الجنّة وقرّر أن يفتحه فقط لمن أثنى على والده وبالغ في الثناء!!