هذا كتابٌ يبقي قارئه أخرسًا أمام كلماته القِصار، وهو خير الكلام إذ كان "خيرُ الكلام ما قلَّ ودَل."
اجتذبتني شخصيّة الشهيد وشيخ الشهداء المُخلَّد ذكره الشيخ راغب حرب قبل عامٍ تقريبًا، فأخذتُ بتتبعِ آثاره، ووددتُ لو أقرأ وأسمع منه أكثر مما قد سمعت، لكنَّني أحسبُ أنَّ ما وجدتُه مِن حديثِ الناس عنه كان أكثر من حديثِه هو، ورغم أنَّ ذلك عرَّفني عليه بعيونِهم، إلّا أنَّ أمنيةَ أن أعرفَه بلسانِه بقيت تراودني.
لمّا أُهديتُ الكتاب.. سُرِرت؛ لأنَّ هكذا هدية لا تملكُ إلا أن تزيحَ كلَّ ما في الطريق إلى القلبِ لتتربَّعَ فيه، وسرعان ما اختلطت فرحتي به بِخوفي من خيبةِ الأمل، فصورةُ كتبِ الكلمات القصار في ذهني تعني صفحات خالية إلا من مقولةٍ من سطرين، وغالبًا ما تكون المقولات مبعثرة.
تلاشت كلُّ المخاوف فورَ أن شرعتُ في قراءته، داخلني السرورُ مجددًا، بل وتضاعفَ عند كلِّ فصلٍ وصفحة، حيث المقولات مرتبة في فصولٍ رئيسة وفرعية، ورغم أنَّها مقتطعة من شتى المصادر من دروسٍ وخُطب وكلمات أُلقيت في أيام مختلفة، إلّا أنَّها شكلت فقراتٍ متراصّة تكادُ في أغلبها لا تنتبه إلى اختلاف أزمانها، وتقرؤها بانسيابيةٍ -لن أقول تامة تجنبًا للمبالغة- لا تربكُ النَّص والمعنى، وهذا جهدٌ كبير يُشكر عليه فريق العمل ودار النشر، بالإضافة إلى حُسنِ تقسيم الكتاب وإدراج كل مقولة تحت العنوان الأنسب، فبعض المقولات كانت تحتملُ أن تكون تحت عنوانين، ولكني وجدتُ أنَّها لو وُضعت تحت العنوان الآخر -الذي ليست فيه- لكان وجودها أضعف، وهذا عملٌ يستحق الثناء بحق! ففي كتبِ التجميعات، -وأعتذر لتكراري هذه المشكلة- أصعبُ مهمة هي الترتيب وإخراج الكتاب بصورته الفضلى، وإحقاقًا للحق، أظنُّ هذا أفضلَ كتابِ تجميعاتٍ مرَّ عليَّ من هذه الناحية، فاهتمام دار النشر جليٌّ لا يُغطى بغربال، وهو اهتمام يستحقُّه شيخ شهداء المقاومة بلا ريب.
لكلِّ كلماتِ هذا الشيخ المقاوم وقعٌ خاص، لكنَّ أكثرَها قربًا من قلبي هي كلماته في الحج، في الشهادة والشهداء، وفي العلمِ والعلماء، وما أكثر الخطوط التي رسمتها تحت الأسطر من هنا وهناك، على أنَّ كلَّ الكتابٍ حريٌّ بأن يُخطَّ تحته!
لي إشكالٌ واحد على الكتاب وهو تأريخُ بعض المقولات بتاريخٍ يلي يوم شهادة الشيخ، فلا أدري ما أصل ذلك ولا أين الخلل، ولكنَّه رسمَ بعض علامات الاستفهام على رأسي. وإحقاقًا للحق، فالقليييل من العبارات التي ناسبها أن تكون تحت عنوانين قد تكررت مرتين، وهي نادرةٌ ولا أظنُّها أكثر من عشر مقولات من بين المئات، فليست بالشيء الذي يُذكر وقد لا تُلاحظ حتى ولكني أحببتُ ذكرها.
ساءلتُ نفسي منذ أول صفحات الكتاب، وأثناء قراءته، وبعد إنهائه: إذا كانت هذه مُنتخبات من كلامِه، فكيف هو كلُّ كلامِه؟
"دم الشهيد اذا سقط، فبيد الله يسقط، واذا سقط فإنه ينمو" خُلد الشيخ راغب حرب بشهادته، وبها نما لتسافر كلماته خلال الزمان.
"أيها الناس، يوجد في الأرض من يُسرق منه طفل، ومن يسرق منه خبز ومن يأخذ منه دم، وأما نحن، فقد سُرقت منا أحلامنا" "انقضى ذلك العهد الذي كنا نسقط فيه أمام الوهم، والفجر آت، والحمد لله. ولكن يبقى السر متجسدًا في التقوى، فقد ملكنا من خلالها الفجر، ونحن ننتظر الشمس." "هناك فرق بين نمطين: نمط الذين يتخذون الواقع موطئ قدم، يقفون عليه؛ لينطلقوا إلى مرضاة الله، ونمط الدين يقبعون تحت الواقع، فلا يقومون من تحته أبدًا" "النور الذي بدأ بالمشرق ستتبعه الشمس، وشمسنا حجة الله، سنتبعه، لا تيأسوا، لا تخافوا، لا تحزنوا، ولو كان الكفر يتكالب عليكم من كل جانب."
كتاب قصير غير نظرتي للعالم من حولي، غدى علاقتي بالله سبحانه وجدد عشقي لهذا العالم الشهيد