لما بدأت قراءتها أمسكت قلما وورقة لأكتب منها بعض الاقتباسات
نسيت قلمي وورقتي ونفسي...وغرقت بين حروفها
لم يعد يهمني تلك المقتطفات
حواسي كلها قيدتها الحروف
أقرأ...أتأمل...أتفكر...وأحيا الألم في أعلى درجاته
تدور أحداث الرواية في سجون المغرب بعد كارثة انقلاب فاشل راح ضحيتها أبرياء لم يكونوا أصلاً يعرفون أنهم في طريقهم لانقلاب..
لم يحظوا بفرصة توديع أهل أو إنهاء التزامات.. وربما خرج أحدهم من بيته عجلاً دون قبلة يطبعها على رأس أبويه.. ولم يعد !
أو عاد كهلاً ينوء بثقل سنون عجاف!!
وصف سليم السجن...
(في الواقع كان القبرُ زنزانةً يبلغ طولها ثلاثة أمتار وعرضها مترا ً ونصف المتر أما سقفها فوطيءٌ جدا ً يتراوح ارتفاعه بين مئة وخمسين ومائة وستين سنتمتراً )
(للأسف، حين رفعوا العصابة عن عيني لم أرَ سوى العتمة.ظننت أني فقدت البصر،لقد وضعنا في سجن مؤبد شيّد لكي يبقى،إلى الأبد، غارقا في الظلمات)
وتحدث لنا عن معادلته التي يحاول من خلالها التشبث بالحياة...بأن يتخلى عن جسده ويعيش داخل روحة في هذه الزنزانة.
(كان الأمر شاقاً كان دُربةً عتهاً لا بُد منه, اختبار ينبغي اجتيازه بأي ثمن أن تكون هناك من دون أن تكون . أن يُغلق المرءُ حواسه ويُسلّطها في اتجاه آخر ويمنحها حياة أُخرى )
ووصف السجناء من حوله...ذكر أسماءهم...وما تميز به كل منهم...وتفاصيل موتهم المرعبة...
كان هُناك البنادول , الساعة هو الذي يخبرهم بوقتها هو الذي يقول لهم : التاريخ , الوقت , الزمان , واليوم ! وكان هُناك الأستاذ , قارئ جليل يُحفظ القرآن الكريم يتلو على مسامعهم بعضاً من الآيات الكريمة... وهُناك عشّار المتحدث النّهم الصاخب على الكُل ذا الطابع المزاجي العصبي ...وكان هو الحكواتي الذي يروي قصصا تشبث ببقاياها في ذاكرته...
وروى لنا تفاصيل قضائهم لأوقاتهم...وسائل تسليتهم...أحاديثهم مع أنفسهم
علاقتهم بالحيوانات التي مرت بهم...و التي لم تسلم من المعاناة...وكأن الأرض بكل ما فيها تآمرت على الحياة بكل أشكالها في تزمامارت
التفاصيل الصغيرة التي كثيرا وكثيرا جدا ما نهمل ذكرها وتذكرها .... تصبح هي الحدث الرئيسي في حياتهم...
و نقلنا معه لعالم أحلامه وتخيلاته وذكرياته...يحلم لكي نهرب من الواقع...رياضة ذهنية فكرية ليبتعد عن المأساة...و يتخفف من الزمن و الذاكرة و الجور...
ويخمد ذكرياته إن لاحت له بكل ما أوتي من قوة.
أراحني جدا حديثه الروحاني وإيمانه العميق...ويقينه بالله...واعتصامه به وقت محنته...وحرصه على نقاء قلبه من كل حقد...
(أعطني القدرة على أن أنسى،أن أستنكر، أن أرفض الرد على الحقد بالحقد.اجعلني في مكان آخر،أعني على التخلي عن هذا التعلق الذي يعيقني، أعني على أن أخرج،لطفا،من جسدي هذا الذي ما عاد يشبه جسدا، بل رزمة عظام مشوهة)
وتعجبت من احتفاظه بالأمل...رغم موت أغلب السجناء...فقد ظل الأمل يحدوه بالنجاة
وعجبي الأكبر كان من وحشية الإنسان ضد أخيه الإنسان...لما يتحلل من كل مشاعر الإنسانية
اكتملت في الرواية كل عناصر النجوم الخمس...راوِ ...وكاتب...ومترجم