إن هذا الكتاب شغوف بالابتهاج والسرور، لانه يدعو إلى إيقاد نيران المباهج وكأن الامر يتعلق بيوم عيد، إنها دعوة إلى فن الابتهاج، ليس بامكان الانسان ان يتذوقه إلا حين يحتفل بعيد الحرية،"لان ما يجعل عصرنا عصرا عظيما هو الاعتراف بالحرية وملكية الفكر، حسب هيجل، لان الانسان المجرد من الحرية والفكر يكون عبارة عن حيوان يقاذ بالسوط لانه يغمض عيناه خوفا من رؤية شروق جديد ورائع للشمس" مثل الخفاش الذي يخيفه ضياء الشمس، أما لانسان الذي ينعم بالحرية الفكر فانه يتمتع بانخراطه في حدث التنوير الذي سيمنحه الثقة بالنفس لكي يحقق مرحلة الوعي بالذات ويتمكن من الثورة على قيود الطغيان والاستبداد. لكن هل يتعلق الامر بحلم فلسفي يستحيل تحقيقه في الواقع، ام بواقع محنط ومسطح لا يؤمن بالحلم والحرية والفكر؟
بنية سليمة قرأت هذا الكتاب، لكن الحق يقال أن الكاتب أراد أن يورد نافع الطرح فلم يسلم قلمه من حزازات الارتباك. في الواقع، يصلح كتابه كمخرجات الندوات أو نشير الصحف والشبكات الاجتماعية أو على شاكلة نقد أدبي فلسفي. ليس معنى هذا أنني لا أتفق ورسالة الكتاب، بل أجدها موفقة لو استمر الكاتب في تمتينها بالاستقراء الجدلي بدل التخبط وراء صيحات فلسفية. للأسف هذا هو حال مثقفينا في المغرب، والمثير أن الكاتب يشير إلى ذلك في معرض طرحه، ثم لا ينفك أن يقع في منزلقهم. عرض اجتراري عاينته ردحا وعايشته قبل أن يعتريني اليأس. بيد أني ظننت لوهلة أن الكاتب قد يحلق متماهيا بملكات الإفراز الحداثي الذي طفحت به مقدمته ثم اكتشفت أنه لا زال وثيق العهد بالعش الثقافي لمثقفينا. لا جديد تحت الشمس؛ ولعلي لم أفهم ما يصبو إليه الكاتب، أو لعله هو لم يدرك ما يصبو إليه في النهاية؛ فما الرابط بين التنوير والثورة من جهة وبين زرادشت والإنسان الأعلى من جهة أخرى؟ بل ما دور التفكيك في كل هذه المناولة إذا ما لم يُستخدم؟ بأي معنى تحل العدمية في عالمنا العربي، وهل يقتصر تعريفها فقط على ما دعاه الكاتب "سلفية التراث التي أصبحت أبدية كالحاكم بأمر الله الذي يعود إليه الفضل في تحويل الإنسان إلى مجرد كائن تراثي والمجتمع كفضاء للعدمية"؟ أليس حريا بالكاتب أن يفحص هذه النقطة بالذات: العدمية التراثية السلفية، أو "مشروع النهضة العربية المحبطة إيديولوجيا" وأفق مشروع التنوير في عالمنا العربي بدل هذا الإسهاب الذي لا طائل منه؟ ثم إنني يجب أن ألفت النظر إلى أن معالجته للتنوير والحداثة ونظم الاستبداد واحتكار العنف والممارسة السياسية كانت ذا عرض عام، محاولا إسقاطها إسقاطا استفاهميا على حالة المغرب والوطن العربي، بيد أنه لم يستوف معالجتها في العمق، وباستفاضة ذاتية على أساس محصلات الواقع المغربي، فلم يستجلب بالتالي سوى بوتقة من الطروحات الفلسفية من هنا وهناك كانت غير ذا جدوى حقيقةً، بله غير استقرائية. ثم ما نفع الايستطيقا والميتافيزيقا والتحليل الترنسندنتالي في هذه المناولة العامة، بينها جميعا وبين عدمية التراث؟ على الأقل كان ينفحنا بضعة علامات نستدل بها.. يبدو كأن مقدمة الكتاب لا تمت بأدنى صلة بالفصول الأخيرة للكتاب. ليس هناك أي اقتران أو منافحة استرجاعية أو مقابلة بين أوجه التضاد، حتى عندما يتعلق الأمر بالخطاب الحداثي نفسه. باختصار، ما أعتقده، لو حاول قارئ ما أن يفلح في إيجاد مفتاح يسبر أغوار المعضلة التي يطرحها الكتاب فإنه سيضيع بارتباكه بين فصولها، ولن يجد.
ملاحظة: ادعى الكاتب أن الفلسفة هو اكتشاف إغريقي، ولعمري يا لها من نظرة قاصرة. كما منح نيتشه لقبا فخريا لا يليق به كونه طبيبا للحضارة، بيد أن مفارقات هذا الفيلسوف أكبر من أن تتجشم الحضارة العلاج تحت ناظريه، أو تحت مدى مطرقته.