What do you think?


شجرة الحضارة
شجرة الحضارة - الجزء الاول
إذا كان لنتون في أواسط القرن العشرين قد آمن بضرورة دراسة الحضارة الإنسانية عبر تاريخها، بسبب ازدياد التواصل والصلات بين الشعوب، فكيف بنا ونحن نعاصر ثورة في الاتصال ونقل المعرفة، كما نعاصر تطورات العولمة التي تسعى لأن تجعل العالم قرية كونية واحدة تخضع للهيمنة الغربية الأمريكية، مما لا يتفق مع " اختلاف" الحضارات والثقافات وتنوعها الخلاق. إن حاجتنا الآن، في بدايات القرن الحادي والعشرين، لدراسة ومعرفة أصول هذه الحضارات والثقافات أكثر ضرورة، ومن هنا تكمن أهمية مراجعة هذا الكتاب لمعرفة أصل الشجرة، التي ننتمي إليها جميعًا، شجرة الحضارة الإنسانية.
- GenresHistory
283 pages, Unknown Binding
Published January 1, 2010
Ratings & Reviews
Friends & Following
Create a free account to discover what your friends think of this book!
Community Reviews
Displaying 1 - 3 of 3 reviews
January 21, 2019
أجمل ما في الكتاب كان هو إدراك تلك الحقيقة المثيرة للدهشة، أن الإنسان موجود قبل ثلاثمئة الف سنة. التأمل في هذه العبارة يفتح الباب للعديد من الأسئلة والأفكار.
القسم الأول : في البداية
نتتبع في البداية الخطوات الأولى للإنسان العاقل، والحد الفاصل بينه وبين القردة العليا. ولأن تلك الفترة موغلة في القدم؛ ونظرا لأن الكتاب أصلا صادر في خمسينات القرن العشرين؛ اتسم هذا الفصل بالضبابية نوعا ما، ولعله ليس المصدر الأفضل للاعتماد عليه في المعرفة العلمية في هذا الجانب.
ما ميز الإنسان عن القردة العليا هو قدرته المميزة على التعلم، وعلى نقل المعرفة. وقد تشكلت لديه هذان الخاصيتان بسبب من الضغوط التطورية، إذ يبدو الإنسان مهزلة المملكة الحيوانية، فهو ضعيف البنية، ولا يتمتع بقدرات جسدية فائقة تضمن له البقاء. وهو إذ نزل عن الأشجار -أو الأشجار تخلت عنه، كما يقول الكاتب، بسبب التغيرات المناخية- وجد نفسه ضعيفا على الأرض، بعد ما خسر قدرته المميزة على التنقل بين الأشجار، فحدثت هنا التطورات التي قادت الإنسان لنوع مختلف من التفوق في المملكة الحيوانية. ونحن لا نعلم على وجه الدقة كيف تطورت لدينا وسائل التواصل من الأصوات والإيماءات إلى تلك الرمزية المعقدة. والتي هي هنا ما يسميها نلتون الثقافة . فالثقافة عنده - والتي ترجمها المترجم بالحضارة - هي الممارسات الحياتية التي اتفق على استخدامها أعضاء المجتمع. لذلك حتى الإنسان الحجري والقبائل البدائية هي ذات ثقافة.
أما عن العالم الذي وجد فيه أسلافنا أنفسهم، فهو لا يختلف كثيرا عن عالمنا اليوم. وقد كانت الديناصورات منقرضة قبل عدة ملايين من السنين- وهذا ما صحح لدي معلومة خاطئة رسخها الإعلام المرئي في طفولتنا. والمثير للاهتمام هو الدور الحاسم للجغرافيا في تطور المجتمعات، فمنذ البداية كانت أوراسيا متميزة، فقد سلمت من الغطاء الجليدي الكامل في العصور الجليدية. ولفترة طويلة من التاريخ، كان هناك اتصال جغرافي بين مناطق واسعة من العالم، لم تفصلها المياه بعد، وكان البشر قبائل صغيرة ذوات لغات محلية، جامعة للغذاء، بدوية، تتحرك مع التغير المناخي.
القسم الثاني: عمليات التطور
وقبل الغوص في الحضارات الإنسانية، لابد من تأسيس نظري للدراسة. ابتداء من الأجناس البشرية، وهذا فصل لم أستلطفه، ولكنه في النهاية ابن عصره، ففي سنوات إصدار الكتاب كانت نظرية التفوق العرقي متقبلة وذات أثر مهم في الوعي الجمعي.
ولا ينكر بالطبع وجود الأجناس البشرية، لكن سببها لا يعدو طفرات خلدت بالوراثة، بسبب نظام الأضواء، وهو التزاوج من نفس القبيلة أو العائلة. والعديد من الطفرات كانت ملائمة للبيئة كاسمرار البشرة، لاحتمال أشعة الشمس القوية في أفريقيا، أو صغر البنية الجسمية للاحتفاظ بالحرارة أكثر في سكان الاسكيمو. ومع ذلك؛ توجد دائما استثناءات للقاعدة، وذلك ما يزعج العلماء. لكن هذا ما يفرق بين العلوم الطبيعية والإنسانية. وفي النهاية يؤكد لنتون على أن الاختلاف بين الأجناس البشرية قائم على الصدفة التاريخية، أي أنه اعتباطي، وليس لأسباب داخلية فضل بها أحد الأعراق على غيره.
وتدور حياة الإنسان في فلك علاقات وتفاعلات المجتمع والحضارة والفرد. فالفرد قد يكون مؤثرا في حضارته، كأن يكون مخترعا لتقنية تكنولوجية معينة، فيشعل شرارة التطور الحضاري. على أن الفرد في الوقت نفسه لا يمثل حضارته، ذلك أن ليس بمقدروه الإلمام بكل جوانبها. والحضارة كما قلنا هي جميع الممارسات الحياتية التي اتفقت عليها الجماعة. أما المجتمع فهو التنظيم الذي تكون من جماعات من البشر، هدفه الإبقاء عليهم من خلال توفير الطعام، والمأوى، والحاجات الروحية. وللمجتمع حد أدنى من التنظيم، يقسم الأفراد من خلاله بحسب :السن والجنس ، وإلى وحدات منظمة صغيرة هي العائلات، ونظام رسمي من العلاقات، أي حكومة.
ويؤكد نلتون على أن الحضارات دائما في حالة تغير حضاري، لكن السرعة هي التي تختلف. فأحيانا تكون هناك فترات من آلاف السنين لا تحدث فيها تغيرات حضارية مؤثرة، كالعصر الحجري، وفترات تتسم بالسرعة الشديدة في التغير، كالعصر الذي نعيش فيه؛ فمنذ اختراع الزراعة قبل سبعة آلاف سنة، تحدث التغيرات الحضارية في أزمان قياسية بالمقارنة مع عمرنا البشري الممتد.
ولهوسنا بالتنميط، أي وضع الأشياء في قالب قابل للتنبؤ؛ يغرينا التفكير على أن الحضارات البشرية تتبع نمطا معينا من التطور، قابلا للتتبع والتنبؤ. كالمرور بمرحلة جمع القوت، فإنتاجه، فالعصر البرونزي، فالحديدي وهكذا. لكن الواقع أن الحضارات البشرية لا تخضع لنمط واحد. وهذا بالفعل مثير للاهتمام. فمن خلال سرد العديد من الأمثلة؛ يتضح غياب ذلك النظام الذي يحلم به علماء الانثروبولوجيا. لذلك الطريقة الأفضل لدراسة تطور الحضارة تكون من خلال التعرف على الطرق المختلفة التي تسير فيها الحضارة في أجزاء مختلفة من العالم، ولكنها مع ذلك ، تتبع نفس الأنظمة المتطورة تقريبا.
القسم الثالث: اختراعات أساسية
كان استئناس النار في عصر البليستوسين أحد أكثر التطورات التكنولوجية تأثيرا في تاريخنا البشري. وذلك لما وفرته من فوائد في طبخ النباتات التي لا يمكن أكلها نيئة، وفي الدفء، والحماية، ولاحقا بالتعدين. وقد تشاركت البشرية تراثا مشتركا في حضارة العصر الحجري الغابر في القدم. والملفت أن هذا العصر يشكل 99% من التاريخ البشري. لكننا اليوم نحسه بعيدا عنا وغير ذي صلة، فلا نجده يستحق قيمة تتعدى بضع صفحات في كتاب لتاريخ الحضارة.
وسمي بالعصر الحجري لا لشيء إلا لأن المخلفات التي وصلتنا منه هي الأحجار فقط، فهذا لا يعني أن ما كان يستخدم من أدوات في ذلك العصر هو الحجر فقط، بل جمع من مواد قابلة للفناء.
وتميز الإنسان بتذكر استخدام الأدوات، فالعديد من الرئيسيات تستخدم الأدوات لكنها دماغها لم يتطور للتفكير في المستقبل. فاستخدم الإنسان العديد من الأدوات لجمع الغذاء ، ولصيد الحيوانات، وعمل الشراك. وتطورت تلك الأدوات للاستخدام ضد الأعداء من البشر في حالة الاعتداء على الأراضي. ونجد مرة أخرى أن الجغرافيا هي الحاكمة؛ فأنواع النباتات والحيوانات المتوفرة في بيئة معينة هي الدافع الوحيد لتطوير أدوات لالقاطها أو صيدها.
ينطبق ذلك على الزراعة كذلك؛ فقط تطورت الزراعة في أماكن مختلفة من العالم، وفي كل منطقة كانت تفرض تحديات جديدة على المجتمعات لتدجين النباتات بحسب الظروف، فظهرت زراعة المدرجات في شرقي آسيا، ونظام الحرق في أوروبا وهكذا.
وتلى الزراعة استئناس الحيوان، فالمجتمعات البدوية لم يمكنها الاحتفاظ بالحيوانات. وحدثت بذلك الثورة الزراعية التي غيرت شكل الحياة الإنسانية نهائيا. والملاحظ أن هذه الاختراعات الأساسية متداخلة ومتقاطعة، فاستئناس النار قد مهد للتعدين ، ومكن من صناعة أسلحة ذات كفائة عالية، أما الاتجاه لإنتاج الغذاء فهو الذي مهد للعديد من المخترعات التكنولوجية كالنول والمحراث والعجلة. والمجتمعات القروية هي التي اشتقت منها المدن والولايات.
وهنا نصل إلى أجود فصول الكتاب: المدن والولايات. لما فيه من قيمة تحليلية.
المدينة هي جماعة تعيش على مبادلة المنتجات المصنوعة والخدمات اللازمة للحصول على الطعام والمواد الخام، ويعتمد وجودها على هذه المبادلة، وهي بذلك تختلف عن القرية. فالقرية مجتمع مكتف بذاته، منتج لغذائه، وتحدد مساحة القرية بالمسافة التي يمكن قطعها مشيا، بينما المدينة لا سقف معروف لعدد سكانها. وتكوين المدينة بالتالي يتطلب أن تكون محاطة بقرى تؤمن لها احتياجاتها من الغذاء، وقريبة من مسطح مائي، لتسهيل نقل البضائع. لذلك نشأت المدنيات الأولى بالضرورة على ضفاف الأنهار، دجلة والفرات، والنيل، والسند، والغانج، والميسيسبي.
ويرتبط سكان القرية برابطة الدم، وتحكمهم قيم الشرف. أما المدينة فقد كان تكوينها السكاني من الغرباء، وقد كانت في البداية ملاذا للأفراد الذين لم يكتفوا بحياة القرية، أو المجرمين الذين لفظتهم مجتمعاتهم، أو الأفراد الذين لم يلفحوا في القرية. وقد ساعد في الهجرة إلى المدينة نظام توريث الابن الأكبر، فحين تقسم الثروة بتوالي الأجيال يجد الأفراد اللاحقون أن ما لديهم من ثروة غير كاف، فيبيعون ما تبقى لهم ويهاجرون إلى المدينة. ولأن سكان المدينة لا يعرفون بعضهم، ولا يحترمون قيم الشرف التي كانت تسري في قراهم؛ تطلب ذلك بالطبيعة نشأة حكومة مركزية لتنظيم سير العدالة وحفظ النظام في المدينة. وصارت ممارسات العدالة مصحوبة بنوع من الطقوس التي تشابه الطقوس السحرية في القرى.
ظهرت مشاكل انتشار الأمراض في المدن، وزيادة معدلات الجريمة، وقلة الشعور بالأمن مقارنة بالقرى، والمشكلة الأهم في توزيع الموارد. لكن كما نعلم، تمثل التحديات الجديدة والمشاكل القائمة المحرك لعجلة التطور الحضاري. وسرعان ما صارت المدينة مركزا إداريا يوفر الوظائف والفرص، ومركزا للتجارة وتبادل السلع والأفكار والمعارف. فظهرت الكتابة كحل لمشاكل الإدارة على سبيل المثال.
وبعد أن تظهر مدن متعددة تميل إحداها للسيطرة على الأخرى والاستفادة من مواردها، وهكذا تتشكل الدويلات وثم الامبراطوريات. وقد تتشكل تحالفات هجومية أو دفاعية بين المدن للدفاع ضد امبراطورية معادية. وهكذا تطورت شيئا فشيئا، السياسة والحملات الحربية. وكانت الامبراطوريات قائمة على النهب. وواجهت بعد حملاتها مشاكل عديدة مثلت تحديات لها في إدارة المدن المقهورة، وفي الحصول على أكبر الفوائد من المهزومين بأقل التكاليف. فكان الغازون إما يقيمون معسكرات مسلحة قليلة العدد في أماكن استراتيجية، او يقسموا قواتهم وينتشروا في البلاد المهزومة ويخالطوا السكان.
وهكذا كتب التاريخ، سلسلة من الغزوات المتعاقبة قام بها فاتحون استطاعوا أن يهزموا جماعات متمدنة، ثم يلي ذلك اندماج الفاتحين في تلك الجماعات.
القسم الرابع: الصيادون وجامعو الغذاء
هناك فكرة لم تغادر عقلي بعد قراءة هذا الكتاب. ماذا لو كانت نظرية اللاوعي الجمعي لكارل يونغ صحيحة، فيكون تكويننا النفسي مستمدا في جزء منه من تجارب أسلافنا، فما تجارب أسلافنا في التاريخ البشري كله؟ تسعة أعشار ذاكرتنا الجمعية ستكون من تجارب العصر الحجري! وهذا قد يفسر كيف يبدو البشر أحيانا كوحوش يجب ترويضها، وتتغلف بغلاف الحضارة.
لكن لم يثبت العلم الحديث نظرية يونغ تلك.
على كل، امتد العصر الحجري لقرون طويلة مظلمة، وكانت التطور الحضاري يسير ببطء يحرق الأعصاب. حياة قائمة على جمع الطعام، والمكافحة من أجل البقاء، ولا نتاج حضاري مثير للاهتمام. أتذكر نقاش يوفال نوح هيراري في كتابه العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري، في الحنين لذلك الماضي قبل اختراع الزراعة، لأنه الوقت الوحيد الذي كان الإنسان فيه حرا بالمعنى المطلق للكلمة. أرى أن تلك الحياة كانت لا تحتمل، وأنها لا تستحق ذلك الحنين؛ فبغياب العلم والتفكير النقدي لا يبدو وقت الفراغ اللانهائي ذا معنى، فقد كان البشر في ذلك الوقت منشغلين بالحاجات الأساسية في هرم ماسلو، فكان تفكيرهم منشغلا بمراقبة الحيوانات والنباتات، والهجرات، والطقس وصناعة الأدواب، وغيرها ، ولابد أن نظرتهم للعالم ولمكانتهم فيه هي ليست حتى قريبة عن نظرتنا نحن. كانت عقائدهم الروحية هي الشامانية، في أن لكل كائن روحا، وأنه يجب الحفاظ على حالة من السلام بين الأرواح. وكان العمر المتوقع للفرد لا يتجاوز الثلاثين سنة، يقضيها في البحث عن الطعام، والتكاثر، ورسم بعض الرسوم الجدارية على سبيل التغيير.
الملفت أن هناك جماعات من قبائل لا تزال تعتمد الصيد وجمع القوت في أستراليا، وأفريقيا، وغينيا الجديدة. وهؤلاء لم يختلفوا عن أسلافنا قبل آلاف السنين الشيء الكثير، هم طبعا ليسوا أحافير حية لكن نتاجهم الحضاري لم يساهم مطلقا في تطور الحضارة.
والمثير للاهتمام في النهاية هو البطء الذي تجري خلاله عمليات التطور البيولوجي، فتظهر الحياة على الأرض قبل أربعة بلايين سنة، ويتطلب تطورها للإنسان العاقل ملايين السنين، فلا يظهر إلا قبل ثلاثمئة ألف سنة، ويعيش في عصر حجري قبل اختراع الزراعة أغلب هذه المدة، فلا تكتشف الزراعة إلا قبل اثنتي عشرة ألف سنة ليس إلا! ثم يتوقف التطور البيولوجي تقريبا، أو لا يتوقف بالأحرى، بل يستمر في سيره البطيء الذي لا نحس به، بينما يسيطر العقل البشري، الذي نقلنا في قفزات حضارية هائلة، جعلت الإنسان ذلك الكائن المعقد الذي أسس شيئا لم تستطع ملايين الكائنات الأخرى على الأرض فعله، فقد أصبحنا كائنات نؤثر على مصير الكوكب كله. وهذه مسؤولية خطيرة يبدو أننا لم نطور في الوقت نفسه الحكمة اللازمة لها.
القسم الأول : في البداية
نتتبع في البداية الخطوات الأولى للإنسان العاقل، والحد الفاصل بينه وبين القردة العليا. ولأن تلك الفترة موغلة في القدم؛ ونظرا لأن الكتاب أصلا صادر في خمسينات القرن العشرين؛ اتسم هذا الفصل بالضبابية نوعا ما، ولعله ليس المصدر الأفضل للاعتماد عليه في المعرفة العلمية في هذا الجانب.
ما ميز الإنسان عن القردة العليا هو قدرته المميزة على التعلم، وعلى نقل المعرفة. وقد تشكلت لديه هذان الخاصيتان بسبب من الضغوط التطورية، إذ يبدو الإنسان مهزلة المملكة الحيوانية، فهو ضعيف البنية، ولا يتمتع بقدرات جسدية فائقة تضمن له البقاء. وهو إذ نزل عن الأشجار -أو الأشجار تخلت عنه، كما يقول الكاتب، بسبب التغيرات المناخية- وجد نفسه ضعيفا على الأرض، بعد ما خسر قدرته المميزة على التنقل بين الأشجار، فحدثت هنا التطورات التي قادت الإنسان لنوع مختلف من التفوق في المملكة الحيوانية. ونحن لا نعلم على وجه الدقة كيف تطورت لدينا وسائل التواصل من الأصوات والإيماءات إلى تلك الرمزية المعقدة. والتي هي هنا ما يسميها نلتون الثقافة . فالثقافة عنده - والتي ترجمها المترجم بالحضارة - هي الممارسات الحياتية التي اتفق على استخدامها أعضاء المجتمع. لذلك حتى الإنسان الحجري والقبائل البدائية هي ذات ثقافة.
أما عن العالم الذي وجد فيه أسلافنا أنفسهم، فهو لا يختلف كثيرا عن عالمنا اليوم. وقد كانت الديناصورات منقرضة قبل عدة ملايين من السنين- وهذا ما صحح لدي معلومة خاطئة رسخها الإعلام المرئي في طفولتنا. والمثير للاهتمام هو الدور الحاسم للجغرافيا في تطور المجتمعات، فمنذ البداية كانت أوراسيا متميزة، فقد سلمت من الغطاء الجليدي الكامل في العصور الجليدية. ولفترة طويلة من التاريخ، كان هناك اتصال جغرافي بين مناطق واسعة من العالم، لم تفصلها المياه بعد، وكان البشر قبائل صغيرة ذوات لغات محلية، جامعة للغذاء، بدوية، تتحرك مع التغير المناخي.
القسم الثاني: عمليات التطور
وقبل الغوص في الحضارات الإنسانية، لابد من تأسيس نظري للدراسة. ابتداء من الأجناس البشرية، وهذا فصل لم أستلطفه، ولكنه في النهاية ابن عصره، ففي سنوات إصدار الكتاب كانت نظرية التفوق العرقي متقبلة وذات أثر مهم في الوعي الجمعي.
ولا ينكر بالطبع وجود الأجناس البشرية، لكن سببها لا يعدو طفرات خلدت بالوراثة، بسبب نظام الأضواء، وهو التزاوج من نفس القبيلة أو العائلة. والعديد من الطفرات كانت ملائمة للبيئة كاسمرار البشرة، لاحتمال أشعة الشمس القوية في أفريقيا، أو صغر البنية الجسمية للاحتفاظ بالحرارة أكثر في سكان الاسكيمو. ومع ذلك؛ توجد دائما استثناءات للقاعدة، وذلك ما يزعج العلماء. لكن هذا ما يفرق بين العلوم الطبيعية والإنسانية. وفي النهاية يؤكد لنتون على أن الاختلاف بين الأجناس البشرية قائم على الصدفة التاريخية، أي أنه اعتباطي، وليس لأسباب داخلية فضل بها أحد الأعراق على غيره.
وتدور حياة الإنسان في فلك علاقات وتفاعلات المجتمع والحضارة والفرد. فالفرد قد يكون مؤثرا في حضارته، كأن يكون مخترعا لتقنية تكنولوجية معينة، فيشعل شرارة التطور الحضاري. على أن الفرد في الوقت نفسه لا يمثل حضارته، ذلك أن ليس بمقدروه الإلمام بكل جوانبها. والحضارة كما قلنا هي جميع الممارسات الحياتية التي اتفقت عليها الجماعة. أما المجتمع فهو التنظيم الذي تكون من جماعات من البشر، هدفه الإبقاء عليهم من خلال توفير الطعام، والمأوى، والحاجات الروحية. وللمجتمع حد أدنى من التنظيم، يقسم الأفراد من خلاله بحسب :السن والجنس ، وإلى وحدات منظمة صغيرة هي العائلات، ونظام رسمي من العلاقات، أي حكومة.
ويؤكد نلتون على أن الحضارات دائما في حالة تغير حضاري، لكن السرعة هي التي تختلف. فأحيانا تكون هناك فترات من آلاف السنين لا تحدث فيها تغيرات حضارية مؤثرة، كالعصر الحجري، وفترات تتسم بالسرعة الشديدة في التغير، كالعصر الذي نعيش فيه؛ فمنذ اختراع الزراعة قبل سبعة آلاف سنة، تحدث التغيرات الحضارية في أزمان قياسية بالمقارنة مع عمرنا البشري الممتد.
ولهوسنا بالتنميط، أي وضع الأشياء في قالب قابل للتنبؤ؛ يغرينا التفكير على أن الحضارات البشرية تتبع نمطا معينا من التطور، قابلا للتتبع والتنبؤ. كالمرور بمرحلة جمع القوت، فإنتاجه، فالعصر البرونزي، فالحديدي وهكذا. لكن الواقع أن الحضارات البشرية لا تخضع لنمط واحد. وهذا بالفعل مثير للاهتمام. فمن خلال سرد العديد من الأمثلة؛ يتضح غياب ذلك النظام الذي يحلم به علماء الانثروبولوجيا. لذلك الطريقة الأفضل لدراسة تطور الحضارة تكون من خلال التعرف على الطرق المختلفة التي تسير فيها الحضارة في أجزاء مختلفة من العالم، ولكنها مع ذلك ، تتبع نفس الأنظمة المتطورة تقريبا.
القسم الثالث: اختراعات أساسية
كان استئناس النار في عصر البليستوسين أحد أكثر التطورات التكنولوجية تأثيرا في تاريخنا البشري. وذلك لما وفرته من فوائد في طبخ النباتات التي لا يمكن أكلها نيئة، وفي الدفء، والحماية، ولاحقا بالتعدين. وقد تشاركت البشرية تراثا مشتركا في حضارة العصر الحجري الغابر في القدم. والملفت أن هذا العصر يشكل 99% من التاريخ البشري. لكننا اليوم نحسه بعيدا عنا وغير ذي صلة، فلا نجده يستحق قيمة تتعدى بضع صفحات في كتاب لتاريخ الحضارة.
وسمي بالعصر الحجري لا لشيء إلا لأن المخلفات التي وصلتنا منه هي الأحجار فقط، فهذا لا يعني أن ما كان يستخدم من أدوات في ذلك العصر هو الحجر فقط، بل جمع من مواد قابلة للفناء.
وتميز الإنسان بتذكر استخدام الأدوات، فالعديد من الرئيسيات تستخدم الأدوات لكنها دماغها لم يتطور للتفكير في المستقبل. فاستخدم الإنسان العديد من الأدوات لجمع الغذاء ، ولصيد الحيوانات، وعمل الشراك. وتطورت تلك الأدوات للاستخدام ضد الأعداء من البشر في حالة الاعتداء على الأراضي. ونجد مرة أخرى أن الجغرافيا هي الحاكمة؛ فأنواع النباتات والحيوانات المتوفرة في بيئة معينة هي الدافع الوحيد لتطوير أدوات لالقاطها أو صيدها.
ينطبق ذلك على الزراعة كذلك؛ فقط تطورت الزراعة في أماكن مختلفة من العالم، وفي كل منطقة كانت تفرض تحديات جديدة على المجتمعات لتدجين النباتات بحسب الظروف، فظهرت زراعة المدرجات في شرقي آسيا، ونظام الحرق في أوروبا وهكذا.
وتلى الزراعة استئناس الحيوان، فالمجتمعات البدوية لم يمكنها الاحتفاظ بالحيوانات. وحدثت بذلك الثورة الزراعية التي غيرت شكل الحياة الإنسانية نهائيا. والملاحظ أن هذه الاختراعات الأساسية متداخلة ومتقاطعة، فاستئناس النار قد مهد للتعدين ، ومكن من صناعة أسلحة ذات كفائة عالية، أما الاتجاه لإنتاج الغذاء فهو الذي مهد للعديد من المخترعات التكنولوجية كالنول والمحراث والعجلة. والمجتمعات القروية هي التي اشتقت منها المدن والولايات.
وهنا نصل إلى أجود فصول الكتاب: المدن والولايات. لما فيه من قيمة تحليلية.
المدينة هي جماعة تعيش على مبادلة المنتجات المصنوعة والخدمات اللازمة للحصول على الطعام والمواد الخام، ويعتمد وجودها على هذه المبادلة، وهي بذلك تختلف عن القرية. فالقرية مجتمع مكتف بذاته، منتج لغذائه، وتحدد مساحة القرية بالمسافة التي يمكن قطعها مشيا، بينما المدينة لا سقف معروف لعدد سكانها. وتكوين المدينة بالتالي يتطلب أن تكون محاطة بقرى تؤمن لها احتياجاتها من الغذاء، وقريبة من مسطح مائي، لتسهيل نقل البضائع. لذلك نشأت المدنيات الأولى بالضرورة على ضفاف الأنهار، دجلة والفرات، والنيل، والسند، والغانج، والميسيسبي.
ويرتبط سكان القرية برابطة الدم، وتحكمهم قيم الشرف. أما المدينة فقد كان تكوينها السكاني من الغرباء، وقد كانت في البداية ملاذا للأفراد الذين لم يكتفوا بحياة القرية، أو المجرمين الذين لفظتهم مجتمعاتهم، أو الأفراد الذين لم يلفحوا في القرية. وقد ساعد في الهجرة إلى المدينة نظام توريث الابن الأكبر، فحين تقسم الثروة بتوالي الأجيال يجد الأفراد اللاحقون أن ما لديهم من ثروة غير كاف، فيبيعون ما تبقى لهم ويهاجرون إلى المدينة. ولأن سكان المدينة لا يعرفون بعضهم، ولا يحترمون قيم الشرف التي كانت تسري في قراهم؛ تطلب ذلك بالطبيعة نشأة حكومة مركزية لتنظيم سير العدالة وحفظ النظام في المدينة. وصارت ممارسات العدالة مصحوبة بنوع من الطقوس التي تشابه الطقوس السحرية في القرى.
وحيهما تظهر المدن يظهر معها عدد من المشاكل الاجتماعية الجديدة. وينشأ معظم هذه المشاكل من الحقيقة البيولوجية البسيطة، وهي أ، جنسنا البشري لم يستطع حتى الآن ملاءمة نفسه تماما للحياة في مجتمعات كبيرة. فقد عاش الجنس البشري كله، إلى ما يقرب من خمسة آلاف سنة مضت، في مجتمعات صغيرة نسبيا لم يكن لها اتصالات مع الغرباء عنهم إلا بين الحين والحين.
ظهرت مشاكل انتشار الأمراض في المدن، وزيادة معدلات الجريمة، وقلة الشعور بالأمن مقارنة بالقرى، والمشكلة الأهم في توزيع الموارد. لكن كما نعلم، تمثل التحديات الجديدة والمشاكل القائمة المحرك لعجلة التطور الحضاري. وسرعان ما صارت المدينة مركزا إداريا يوفر الوظائف والفرص، ومركزا للتجارة وتبادل السلع والأفكار والمعارف. فظهرت الكتابة كحل لمشاكل الإدارة على سبيل المثال.
وبعد أن تظهر مدن متعددة تميل إحداها للسيطرة على الأخرى والاستفادة من مواردها، وهكذا تتشكل الدويلات وثم الامبراطوريات. وقد تتشكل تحالفات هجومية أو دفاعية بين المدن للدفاع ضد امبراطورية معادية. وهكذا تطورت شيئا فشيئا، السياسة والحملات الحربية. وكانت الامبراطوريات قائمة على النهب. وواجهت بعد حملاتها مشاكل عديدة مثلت تحديات لها في إدارة المدن المقهورة، وفي الحصول على أكبر الفوائد من المهزومين بأقل التكاليف. فكان الغازون إما يقيمون معسكرات مسلحة قليلة العدد في أماكن استراتيجية، او يقسموا قواتهم وينتشروا في البلاد المهزومة ويخالطوا السكان.
وهكذا كتب التاريخ، سلسلة من الغزوات المتعاقبة قام بها فاتحون استطاعوا أن يهزموا جماعات متمدنة، ثم يلي ذلك اندماج الفاتحين في تلك الجماعات.
القسم الرابع: الصيادون وجامعو الغذاء
هناك فكرة لم تغادر عقلي بعد قراءة هذا الكتاب. ماذا لو كانت نظرية اللاوعي الجمعي لكارل يونغ صحيحة، فيكون تكويننا النفسي مستمدا في جزء منه من تجارب أسلافنا، فما تجارب أسلافنا في التاريخ البشري كله؟ تسعة أعشار ذاكرتنا الجمعية ستكون من تجارب العصر الحجري! وهذا قد يفسر كيف يبدو البشر أحيانا كوحوش يجب ترويضها، وتتغلف بغلاف الحضارة.
لكن لم يثبت العلم الحديث نظرية يونغ تلك.
على كل، امتد العصر الحجري لقرون طويلة مظلمة، وكانت التطور الحضاري يسير ببطء يحرق الأعصاب. حياة قائمة على جمع الطعام، والمكافحة من أجل البقاء، ولا نتاج حضاري مثير للاهتمام. أتذكر نقاش يوفال نوح هيراري في كتابه العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري، في الحنين لذلك الماضي قبل اختراع الزراعة، لأنه الوقت الوحيد الذي كان الإنسان فيه حرا بالمعنى المطلق للكلمة. أرى أن تلك الحياة كانت لا تحتمل، وأنها لا تستحق ذلك الحنين؛ فبغياب العلم والتفكير النقدي لا يبدو وقت الفراغ اللانهائي ذا معنى، فقد كان البشر في ذلك الوقت منشغلين بالحاجات الأساسية في هرم ماسلو، فكان تفكيرهم منشغلا بمراقبة الحيوانات والنباتات، والهجرات، والطقس وصناعة الأدواب، وغيرها ، ولابد أن نظرتهم للعالم ولمكانتهم فيه هي ليست حتى قريبة عن نظرتنا نحن. كانت عقائدهم الروحية هي الشامانية، في أن لكل كائن روحا، وأنه يجب الحفاظ على حالة من السلام بين الأرواح. وكان العمر المتوقع للفرد لا يتجاوز الثلاثين سنة، يقضيها في البحث عن الطعام، والتكاثر، ورسم بعض الرسوم الجدارية على سبيل التغيير.
الملفت أن هناك جماعات من قبائل لا تزال تعتمد الصيد وجمع القوت في أستراليا، وأفريقيا، وغينيا الجديدة. وهؤلاء لم يختلفوا عن أسلافنا قبل آلاف السنين الشيء الكثير، هم طبعا ليسوا أحافير حية لكن نتاجهم الحضاري لم يساهم مطلقا في تطور الحضارة.
والمثير للاهتمام في النهاية هو البطء الذي تجري خلاله عمليات التطور البيولوجي، فتظهر الحياة على الأرض قبل أربعة بلايين سنة، ويتطلب تطورها للإنسان العاقل ملايين السنين، فلا يظهر إلا قبل ثلاثمئة ألف سنة، ويعيش في عصر حجري قبل اختراع الزراعة أغلب هذه المدة، فلا تكتشف الزراعة إلا قبل اثنتي عشرة ألف سنة ليس إلا! ثم يتوقف التطور البيولوجي تقريبا، أو لا يتوقف بالأحرى، بل يستمر في سيره البطيء الذي لا نحس به، بينما يسيطر العقل البشري، الذي نقلنا في قفزات حضارية هائلة، جعلت الإنسان ذلك الكائن المعقد الذي أسس شيئا لم تستطع ملايين الكائنات الأخرى على الأرض فعله، فقد أصبحنا كائنات نؤثر على مصير الكوكب كله. وهذه مسؤولية خطيرة يبدو أننا لم نطور في الوقت نفسه الحكمة اللازمة لها.
June 15, 2019
لم يرق لي الكتاب رغم الإلمام الواضح لمؤلفه الدكتور رالف لنتون بموضوعه. ولعل هذا عائد لقدم الكتاب، إذ صدرت الطبعة لأولى منه عام 1955م. حيث أنني على ثقة بأنه قد استجدت عشرات، إن لم نقل مئات الأمور في علم الأنثروبولوجيا، منذ وقت صدور الكتاب وحتى الآن. هذا إلى جانب أن الترجمة قد كانت سيئة إلى حد ما، أو أنها ليست بالمستوى المطلوب على الأقل.
June 2, 2016
حذفت نجمتين لقدم الكتاب -حيث جدت معلومات كثيرة عن تاريخ الانسان والحضارة، ولسوء الترجمة..
عدى هذا فالكتاب جيد جداً ومدخل مهم للثقافة التي عاشها الإنسان منذُ إنفصالهِ عن غيرهِ من الكائنات..
عدى هذا فالكتاب جيد جداً ومدخل مهم للثقافة التي عاشها الإنسان منذُ إنفصالهِ عن غيرهِ من الكائنات..
Displaying 1 - 3 of 3 reviews




