ألف المؤلف هذا الكتاب عام 1998م نهاية القرن العشرين حيث عتب على مجموعة من المثقفين والنقاد العرب المعاصرين نسبتهم الحداثة العربية إلى الشعر الفرنسي أو إلى الحضارة الغربية على وجه العموم. المؤلف يرجع جذور الحداثة العربية إلى القرون الثانية والثالثة والرابعة الهجرية حيث من اعتبرهم آباء الحداثة العربية الجاحظ (255هجرية), الحلاج (ت 309 هجرية), والتوحيدي (ت414هجرية).
بدأ المؤلف الكتاب بمقدمة عنونها بعنوان "حداثة سيئة السمعة" يتحدث فيها عن الحداثة العربية المعاصرة وأنها غرست خارج تربتها الجمالية واعتنت بالمستورد والمنقول والمترجم أكثر من عنايتها بالأغصان النابتة من جذور تراثية لا تقل حداثة عن المعاصر.
وبذلك يعترف النقاد العرب ضمنا - رغم محاولة الرفع من شأنها - بأنها لن تزدهر بالشكل الصحيح والمفترض. فمشت الحداثة العربية المعاصرة عرجاء وتأخر قبولها, لأن الذائقة الفنية لقبولها لن تأتي من خارج الموروث الجذور.
يرى بأن التحفظات على الحداثة العربية المعاصرة لم يقتصر مصدرها على التيار المتزمت المعادي لكل جديد, بل من المخلصين للحداثة بمفهومها الشامل حيث استهجان مقارنة الشعر العربي صاحب تاريخ الخمسة عشر قرنا بشعر حديث بدأ قبل قرون قليلة.
فتم تأسيس - بالحداثة العربية المعاصرة - تبعية جديدة لثقافة أخرى, وليس لحداثة تنبثق من جذرها التراثي تنتشر في فضائها الطبيعي ومحيطها الفني الذي يقبل فكرة التلاقح والتبادل بين الثقافات ولكن بشرط ألا تتخلى أي ثقافة عن بصماتها ومكوناتها الوراثية التي تشكلت عبر العصور لتحافظ على ملامحها. فالمؤلف يعتبر الحداثة حداثة النص وليس الزمان والمكان قائلا:
" إن النص المتجذر في التجربة الإنسانية, والحامل لموقف كوني من الوجود والإنسان, والمراهن على الجمال والحرية, لا يمكن إلا أن يكون حداثيا مهما كانت قدامته التاريخية" ص13
يطالب بإحداث نقلة نوعية في التفكير العربي من قضية الحداثة بوضعها في إطارها الصحيح, بأنها ليست معاكسة للقدم الزمني ولا مرتبطة بزمن معاصر. هي كما يقول " قوة صاهرة تجمع خلاصات الجذر مع تجارب العصر".
يصف المؤلف من أسماهم حزب الحداثة العربية المعاصرة بأنهم ضحايا أوهام فكر عصر النهضة اللاهث خلف التغريب دون النظر إلى المعطيات الحضارية العربية. وبذلك فقد هؤلاء التوازن بين موروثها ومعاصرها.
بعد هذه المقدمة يضع المؤلف ثلاثة أقسام كمداخل إلى عوالم من أعتبرهم آباء الحداثة العربية : الجاحظ - الحلاج - أبو حيان التوحيدي. يستعرض في كل مدخل شيئا من حياة ومواقف كل شخصية ونماذج من نتاجها المعرفي والثقافي كدلالة على كونهم حداثيين بل آباء مؤسسين للحداثة العربية.
في المدخل الأول الخاص بالجاحظ ينقل عن الدكتور طه الحاجري قوله عن الجاحظ: " هذا رجل لا يشيخ أدبه, ولا تمل صحبته, وسوف تجده جديدا في كل مرة تعود إليه, وهل الحداثة إلا حفاظ النص على نضارته رغم تقادم القرون؟" ص27
أما مصدر الخضرة الدائمة لكتابات الجاحظ فهناك عدة أقوال كما يقول المؤلف. أبرزها عقلية الجاحظ الجدلية التي تقيم علاقة راقية مع القارئ و تعامله كصديق يجب إسعاده لا كعدو يتحتم ذبحه بالتفاصيل المملة والتشنجات الفكرية. فتجد الجاحظ يكثر من الاعتذار عن الإطالة والإملال, ويختار من الجمل أقصرها, ومن الأفكار أطرفها, مع سرعة الانتقال ما بين الأشياء المتعددة في النص الواحد. وقبل ذلك, هناك صفة إحترامه للرأي الآخر حتى قال فيه " ولابد أن يكون حداثيا حتى النخاع ذاك الذي يضع الإيمان بالرأي الآخر في طليعة أغراض التربية" ص28 , حتى صرح المؤلف بأسبقية الجاحظ في هذا المجال على فولتير الذي يستشهد بأقواله من نسب الحداثة العربية المعاصرة إلى جذور غربية حديثة.
يتكلم المؤلف عن علاقة الجاحظ مع السلطة في عصره وكيف أفشل بعض المعتزلة - مثل ثمامة بن أشرس - تجربتهم في تطبيق أفكارها في حرية الفكر وهو ما رفضه الجاحظ. حارب الجاحظ النفوذ الفارسي خصوصا في مؤسسة الكتابة الديوانية مما جعله يكتب أيضا في ذم طبقة الكتاب وأجواء الدواوين ذات الطعن والمؤامرة, فهو الأديب صاحب الوضوح والعلنية ويتهرب من مثل تلك الأجواء.
يستعرض أيضا علاقة الجاحظ وتراثه فيما يخص موضوع النساء والجواري والعشق. يمر على بعض كتب الجاحظ مثل البخلاء والحيوان متكلما عن قيمتها العلمية في جولة سريعة قبل أن يختتم هذا القسم الذي خصصه للجاحظ بالنص التالي:
" وبهذا الأسلوب البديع, وتلك الثقافة العميقة التي زانتها روح شفافة طريفة صار الجاحظ سيد كتاب العرب, والأب الحقيقي للحداثة العربية, فالحداثة ليست مرتبطة بالتاريخ, وعلاقتها بالآداب والفنون لم تبدأ في العصر الحديث لأنها كانت موجودة دائما كنضارة أسلوبية وتصويرية وكروح تسري في النصوص واللوحات منذ أناشيد الرعاة في العصر الحجري, والحقب البرونزية" ص66
في المدخل الثاني الخاص بالحلاج يركز المؤلف على الجانب السياسي من حياة ومواقف الحلاج, حيث أن الجانب الصوفي منه قد أشبع بحثا كما يقول. يتساءل إذا كان إعدام الحلاج لأجل ما نسب إليه من أقوال اعتبرت شطحات في التصوف, فلماذا ترك أبا يزيد البسطامي الذي نسبت إليه أقوالا مماثلة في جانب التصوف؟
هنا يذهب المؤلف أن إعدام الحلاج كان ذو أبعاد سياسية لأدوار لعبها في حركة القرامطة. حتى على الجانب الصوفي, يقول المؤلف بأن الحلاج عاش ما أسماه فتوة التصوف وقد كانت حركة تمرد لا تبتعد عن الانسجام مع تمرد حركة القرامطة فيما يخص السلطة العباسية من حيث الأهداف بل وحتى النشأة. أي أن التصوف المبكر لم يكن حركة تصالح مع الوضع العام والسلطة القائمة.
أسهب المؤلف في الحديث عن علاقة الحلاج بحركة القرامطة بل أنه أتهم رسميا بالدعوة لحركة القرامطة. قسم حياته إلى عدة مراحل بالانتماء والدعوة للقرامطة في شبابه, ثم مرحلته كمثقف اجتماعي, انتهاء بسجنه ومحاكمته وإعدامه حيث وصف محاكمته بالمهزلة القضائية إلى أن حصل الخطأ الذي أخذ ذريعة للحكم عليه بالإعدام.
أما المدخل الثالث والأخير الخاص بأبي حيان التوحيدي فيتحدث فيه المؤلف عن تجربة التوحيدي مع السلطة كمثقف والتحول من دور التمرد إلى دور الاستسلام, كما ألقى الضوء على الجدل أو الاختلاف حول انتماء التوحيدي الفكري.
الكتاب في مجمله جيد وقد ألقى الضوء على أمور ربما لا تكون معروفة لدى الكثير مثل علاقة بل دور الحلاج مع حركة القرامطة وهو أمر جديد بالنسبة لي. القسم الخاص بالجاحظ ربما كان الأمتع بالنسبة لي, كما كانت المقدمة تلخص فكرة الكتاب ولكن ربما لو وضع تعريفا واضحا لمصطلح الحداثة لكان أنسب وأكمل وأسهل على القارئ للانتقال بين أفكار الكتاب.