الحمد لله على التمام
انتهى مشوار ال7 أشهر في قراءة هذا التفسير بمجلداته ال27.. رافقني هذا الكتاب في أشهر صعبة ومتقلبة بحياتي لذلك له معزة كبيرة عندي..
قراءة تفسير الطبري كان مشروع أخطط لتنفيذه لسنتين أو ثلاث.. يقال أن الأمام الطبري رحمه الله أمضى ثلاث سنوات يستخير الله لكتابة هذا التفسير أما أنا فمكثت نفس المدة أستخير لأقرأه :)
لماذا تفسير الطبري ؟
في البداية قررت قراءة أي تفسير من التفاسير المطولة.. اختيار تفسير الطبري تم لعدة اعتبارات.. أولاً كل تفسير من التفاسير المطولة يتميز في مجال معين يتقنه مؤلفه.. فتفسير القرطبي متميز في مجال الفقه وابن كثير في التاريخ وتفسير الكشاف أو ابن عاشور في الجانب اللغوي.. تفسير الطبري هو -حسب رأي أهل العلم- أشمل التفاسير.. سعة علم الإمام الطبري رحمه الله في اللغة والحديث والتاريخ والفقه جعلت تفسيره يتميز في كل هذه العلوم.. بل وقرأت مرةً أن باحثاً أجرى مقارنة بين تفسير الطبري والكشاف للزمخشري في الجانب اللغوي -نقطة قوة تفسير الكشاف- ووجد أن كفة تفسير الطبري ترجح في هذا الجانب!
تفسير الطبري يعتبر كتاب التفسير الأقدم بين أيدينا وقد نقل عنه كثير من المفسرين اللاحقين لذلك يسمى إمام المفسرين.. بالمجمل هذا التفسير يكاد يكون الأهم رغم أنه بالتأكيد لايغني عن قراءة التفاسير الأخرى..
منهج الطبري في التفسير كالآتي: يذكر الآية أو الجملة ثم يشرحها بشكل تفصيلي ثم يتبع ذلك بالآثار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل التفسير من الصحابة والتابعين ويذكر اختلافهم في تفسير الآية إن وجد ثم يذكر ترجيحه وسبب اختياره لقول دون آخر.. استفدت كثيراً من منهجه في الترجيح بين الأقوال.. ويعد كتابه من أهم كتب التفسير بالمأثور -الكتب التي تعتمد على الأحاديث والآثار الواردة من أهل العلم في تفسير القرآن- وقد جمع في تفسيره حوالي 40 ألف أثر!
عند وجود أكثر من قراءة للآية يذكر القراءات المختلفة ويختار ما يستجيز القراءة به منها ويوضح معانيها.. وفي حال وجود تعبير لغوي في الآيات قد يسبب إشكالاً أو مفردة غريبة فيستدل بأشعار العرب وأمثالهم على صحة استعمال تعبير معين أو على استعمال لفظة بمعنىً معين.. الشواهد الشعرية كانت كثيرة جداً واستمتعت بقراءته خصوصاً مع هوامش الشيخ محمود شاكر رحمه الله.. في الجانب اللغوي يذكر أيضاً أقوال "أئمة العربية" وإن كان كثيراً ما يضرب بها عرض الحائط إن خالفت أقوال أهل التفسير من الصحابة والتابعين :) أما إن كان رأيهم لا يخالف رأي أهل التفسير فيستعرض آرائهم ويرجح الأصح منها..
أثناء قراءتي للتفسير أصبحت مغرماً بعقلية الإمام الطبري رحمه الله.. فصله بين أقوال أهل العلم وحججه وترجيحاته مثيرة جداً للإعجاب.. بل حتى تركه للترجيح مثير للإعجاب.. في غير مرة ذكر اختلاف المفسرين في تفصيل صغير -مثل نوع الثمرة التي أكل منها آدم- ثم ذكر أنه لاسبيل لنا من القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية لمعرفة أي ذلك أصح وأن هذا مما لا يضير الجهل به ولا ينتفع بعلمه.. أيضاً من الملامح المهمة في تفسيره اهتمامه بسياق الآيات.. عند وجود أكثر من تفسير محتمل يميل إلى ترجيح التفسير الأكثر تلاؤماً مع سياق الآيات.. كما يحرص على ربط الآيات ببعضها البعض ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
قرأت الكتاب ضمن مشروعي لتطوير حصيلتي من العلم الشرعي والوصول لفهم أفضل للدين الإسلامي.. هل حققت هدفي من القراءة أم لا ؟ الإجابة معقدة.
منهج الطبري كان علمياً جاداً أكثر مما توقعته.. لذلك فالكتاب لا أنصح به إلا لمن يرغب بتعزيز حصيلته من العلوم القرآنية.. بينما كنت أظن أنني سأجد في الكتاب بعضاً من الفوائد والاستنباطات التي تزخر بها الكتب المعنيّة بالتدبر.. ويبدو أن الطبري رحمه الله كان يريد ادراج بعضها -في المجلدات الأولى ذكر فوائد في التدبر في غير موضع أذكر منها أنه استدل بإحدى الآيات على بطلان منهج القدريين- لكن يبدو أنه عدل عن ذلك تلافياً لإطالة الكتاب وقد أشار في مواضع كثيرة لرغبته في عدم إطالة الكتاب بالاستطرادات..
لكن الفائدة التي حصلتها من التفسير عظيمة جداً وتطور استيعابي للنصوص القرآنية واستفدت الكثير جداً دينياً ولغوياً وحتى فكرياً.. لذلك أصف تجربتي مع التفسير بالناجحة جداً.. رغم أنني في المجلدات الأخيرة بدأت أقرأ بشكل أسرع وأقفز بعض الآثار المتكررة والتفصيلات اللغوية المعقدة :)
طبعات الكتاب
إذا أردت قراء التفسير فعليك بطبعتين لا ثالث لهما .. الأولى الطبعة التي حققها محمود شاكر رحمه الله بمساعدة أخيه أحمد شاكر.. والثانية هي الطبعة التي تمت بإشراف الشيخ التركي.. تتميز طبعة الشيخ محمود شاكر بتعليقاته النفيسة على الكتاب.. تبين تعليقاته الغموض الذي قد يكتنف منهج الطبري أحياناً لأنه ربما اختصر في مواضع عن تبيين حجته اعتماداً على فطنة القارئ واستيعابه لمنهجه وقراءته للتفسير منذ البداية.. كما يتميز تحقيقه بتوضيح مواضع ابتداء الاستطرادات وانتهائها.. فالإمام الطبري يطيل في استطراداته كثيراً وقد يصل الاستطراد إلى صفحة كاملة أو صفحات ثم يواصل جملته بلا تنبيه.. كما يتميز تحقيقه بالتنبيه إلى الأماكن التي شرح فيها الطبري لفظة قرآنية معينة لأنه يشرح اللفظة وأصلها اللغوي ويستدل عليها بشواهد شعرية ثم عند تكرار اللفظة في موضع آخر يشير إلى أنه شرحها في كتابه بدون التنبيه على موضعها.. أيضاً كما هو متوقع من شيخ العربية تعليقاته اللغوية مفيدة جداً سواء في شرح الأبيات الشعرية أو توضيح الألفاظ الغريبة أو شرح المفردات النحوية حيث يستعمل الطبري مصطلحات اندرست ولم تعد تستعمل في وقتنا الحاضر.. أيضاً له تعليقات مهمة جداً في توضيح بعض المعلومات التي قد تشكل على مبتدئين مثلي.. وللأسف أحد أهم تعليقاته كان في المجلد الأخير الذي قام بتحقيقه ووعد بأنه سيؤلف كتاباً عن هذه المسألة لكن يبدو أن الكتاب لم ير النور ولا زال في نفسي شيء من هذا الموضوع..
مشكلة طبعة الشيخ محمود شاكر هو عدم اكتمالها.. فقد توقف بعد تحقيق 16 مجلداً بسبب مشكلة مع الناشر.. قام الناشر فيما بعد - دار المعارف - باستكمال طباعة الكتاب بتحقيق مجموعة من أهل العلم لكن لم يصلوا لمستوى تحقيق الشيخ محمود شاكر رحمه الله فقد كان تحقيقه مثرياً جداً للكتاب مع العلم أن المخطوطة التي اعتمد عليها كان فيها الكثير من السقط والتصحيف كان يعوضه بعلمه الواسع باللغة وبصيرته النافذة.. ويحكي عنه من عمل في تحقيق التركي أنه كان كثيراً ما يملاً السقط في المخطوطة التي بين يديه اعتماداً على تشربه لمنهج الطبري وألفاظه ووجدوا أن ما أضافه محمود شاكر يطابق تماماً عبارة الطبري !
طبعة التركي -دار عالم الكتب- هي الطبعة الأجود من ناحية تحقيق النص وقد اعتمدت على مخطوطة لم تتوفر لمحمود شاكر ومن قبله.. يعيبها عدم استفادتها من تعليقات محمود شاكر إلا في مواضع نادرة.. إن استطاع شخص أن يجمع بين الطبعتين فهو الأكمل..
عن نفسي قرأت طبعة دار ابن الجوزي المصرية المصورة عن طبعة دار المعارف.. أما بعد انتهاء تحقيق محمود شاكر فجمعت بينها وبين طبعة دار الحديث التي استعانت بنص طبعة التركي.. كنت أتمنى اقتناء طبعة عالم الكتب ( التركي) لكن سعرها الباهض منعني من ذلك.