قرأت كتاب حفارو القبور للفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي, حقيقة الكتاب مميز فكريا و سياسيا و يحمل نظرة جديدة للحضارة الغربية هذا العجل الذي ما ففتئ المستشرقين و حديثو الفكر يقدسونه و يقلدونه حتى في قالب الشكليات العصرية.
يلقي صديقنا الفيلسوف الضوء على حضارات عالمية اخرى كحضارة الاسلام و حضارة الشرق الاقصى و يبين مدى الاسهام البناء لهذه الحضارات خصوصا الجانب الروحي على النقيض من الحضارة المادية الجامدة , ايضا يناقش الكاتب حرب الولايات المتحدة على العراق من الناحية السياسية و الاقتصادية و الاخلاقية , و يعرض الكاتب استراتيجية الاستعمار البربرية في السيطرة على الحضارات الاخرى كل ذلك في سبيل تحقيق مصلحة رأسمالية اقتصادية لدول المستعمِرة , ويأخذ مثالا لذلك الجزائر اذ يقدم دراسة للحالة الجزائرية قبل و بعد الاستعمار لينتهي الى نتيجة تدمير كامل للاقتصاد و الثقافة الجزائرية و يتوقع الكاتب إن هذا المبدأ النفعي لن يولد الا رفضا متطرفا من الدول المستعمَرة , و يستنتج الكاتب أن عجز هذه الحضارة التواصل و التعامل مع الحضارات الانسانية الاخرى خير دليل على مدى انهيار هذه الحضارة و توجيهها للإنسانية الى "المقبرة" من خلال السوق المفتوحة(و التي ما هي إلا وسيلة أخرى لنهب ثروات الدول النامية بسبب التشارك الغير متكافئ بين اقتصاد قوي يملك الانتاج و اقتصاد ضعيف لا يملك إلا استهلاك الفائض) و الرأسمالية و المادية , النفعية و سلسلة اخرى من الوسائل الاقتصادية و الفكرية للسيطرة على الدول النامية و يقدم أمثلة واقعية مدعمة بالأرقام دليلا على الهيمنة الأمريكية على كافة اقطار العالم .
ايضا يقدم فيلسوفنا المسلم نقداً لفهم الدين الاسلامي بشيء من التقليد التام للماضي اذ أن هذه الفهم الشكلي القاصرة على الماضي لا يمكن أن يعبر عن الدين الاسلامي أو أن يجد حلولا مستقبلية أمام طوفان الحداثة و العصرية , و يناقش الكاتب ايضا القضية السياسية في الشرق الاوسط بشكل عام و القضية الفلسطينية بشكل خاص حيث أن اسرائيل (شرطي الحضارة الاوربية المدلل) تنتهك كل الاعراف و المواثيق الدولية دون أن يحرك الغرب ساكناً في المقابل تفتعل امريكا انتهاكات ليست موجودة لدول الشرق الأوسط بهدف مساعدة اسرائيل في السيطرة المشتركة على الشرق الأوسط بل و ترسيخ الهيمنة الامريكية على سوق النفط العربي و يقدم دليلا على ذلك الحرب على العراق و حصار ليبيا بعد هجمات روما و برلين .
يقدم الكاتب تعريفا جديدا للاشتراكية ويقدمها كفكر انساني لا فكر اقتصادي مادي كما ينفي الإلحاد كضرورة لتنفيذ الاشتراكية ويبين ايضا التحريفات في تطبيق الاشتراكية في النموذج السوفيتي، فكرة اخرى يبينها الكاتب هي التبعية الاوروبية للولايات المتحدة الامريكية ويدعم حجته بالأدلة والبراهين من حرب الخليج الى الاتفاقيات الاوروبية ويستنتج الكاتب ان هدف هذه التبعية حماية رأس المال.
ينتقل الكاتب في الجزء الثاني من الكتاب الى تشريح عوارض الانحطاط الثقافي في الولايات المتحدة والقارة الاوروبية ويبين مدى انحدار سلم القيم والاخلاق لصالح رأس المال والفردية والأنانية، ايضا تفاقم التفاوت المادي في داخل المجتمع الواحد وهو مؤشر لما يحدث على المستوى العالمي، ايضا يلعب الاعلام دورا اساسيا في تحويل البشر الى عبيد لرأس المال، حتى الفن والادب لم ينجو من وحش السوق ورأس المال اذ يأخذ بالانحطاط باسم التجديد ويخضع للعرض والطلب.
في الجزء الثالث من الكتاب يبدأ الكاتب نقدا للمفهوم الفكري للحداثة و التقدم و مدى تأثيرها السلبي على القيم الانسانية و دورها في القضاء على روح الانسان , و يبين ايضا الفارق في تأثير السوق على المجتمع ما بين العصر القديم و العصر الحديث بحيث اصبح تعريف الانسان و انتاجه في العصر الحديث انتاج كمي , ينتقل الكاتب الى مناقشة ثلاث فروض رئيسية للتقدم لكل من ديكارت ( أسياد الطبيعة ) يبين الكاتب بأرقام عملية لمدى تدمير الانسان للطبيعة في العصر الحديث و هوبز(منطق السوق) يبين مدى تمزيق هذا الفرض للمجتمع و تدمير العلاقات الانسانية وسيادة مبدأ الفردية و مارلو(احلال الانسان بدلا من الله) يلعب هذا المبدأ دورا في تحويل الانسان الى الة تقنية تهتم بالوسائل أكثر من الغايات و تنفي المشاعر الانسانية عنه تطور و تقدم بشكل مطرد دون فهم الغاية من ذلك .
ينتقل الكاتب لشرح مفهوم الحداثة هذا المفهوم الذي يحيل كل شيء الى المادة و يحول الانسان الى مستهلك على الطريقة الاوروبية إن اعتبار العلم مصدرا و حيدا للحقيقة يولد موتا بطيئا لكل ما يعطي الحياة معنى و روح و هذا يولد انشقاق الانسان عن كل ما يربطه بما هو قديم من دين أو فن أو أدب , إنه جنون رفض الاصالة لغياب الفهم الواعي لها , يختم الكاتب هذا الجزء بدور نظريات اينشتاين في هدم ما كان مقدسا من العلم و بيان مدى خداع العرف العقلي للإنسان , مطلوب من الانسان أن يستعيد علاقته بروحه أن يستعيد علاقته بالله أن يجعل معنى لحياته .
في الفصل الاخير ينشد الكاتب حلا لهذا الوضع ( الحل هنا لفرنسا كون الكاتب فرنسيا ) يدعو الكاتب الى الفكاك من السيطرة التقليدية للأحزاب على الافكار السياسية الهادفة لحماية وحوش الرأسمالية , و تحطيم السلطة الاقتصادية للولايات المتحدة و يدعو الى المقاطعة الاقتصادية كأداة أولية لمحاربة السوق و المقاطعة هنا تفرض تغير نمط الحياة و ايجاد حلفاء بعيداً عن الولايات المتحدة الامريكية ,ايضا يدعو الى محاولة رأب الصدع مع الحضارات الاخرى في العالم و توحيد الانسان في جميع اقطار العالم اذ يعتبر الكاتب أن قيام اقتصاد قوي في دول العالم الثالث هو المفتاح لإيجاد توازن اقتصادي و إنساني في العالم بل هي الطريقة المثلى لحل مشكلة الهجرة , ايضا تحرير العقول من المفاهيم التي أصبحت أشبه بأصنام تعبد في كل بقاع العالم و مثال على ذلك الديمقراطية الامريكية فهي بالنسبة للكاتب قناع لديكتاتورية رأس المال, إن حل مشكلة الانسان بالنسبة للكاتب يبدأ بوعي الإنسان الحقيقي لذاته دون النظر باستعلاء للأخر و التخلص من تخدير الاعلام بأشكاله , في النهاية تبقى شمعة الأمل عند الكاتب بظهور مفكرين ينظرون للإنسان بذاته لا بإنتاجه و وسائله ليضيئوا الطريق للمجتمع بشكل عام في بناء حضارة إنسانية تجمع الانسان روحاً و مادة .
انصحكم بقراءة الكتاب لما فيه من أفكار مميزة تساعد في فهم العالم والحضارات بشكل أعمق.
منتصر عوض