كتب برتولد ريشت نسخة مصغرة من مسرحية آنتيجون لسوفوكليس , المسرحية كتبت من 2600 سنة و بتحكي قصة فتاة بدها تتمرد على قرار حاكم ظالم , و التمرد معناه الموت , من 2600 سنة في جدلية قائمة بين البشر عن أهمية الموت من أجل المعتقد أو الحياة بموازاة عنه , و الحوار الذي جرى بين إيسمين المواربة و آنتيجون المتمردة يصور حوارنا اليومي الذي ندور فيه منذ 2600 عام , فأين يا ترى الصواب ؟
فيما يلي مقتطف من الحوار ...
- نحن إمرأتان لا نستطيع مجابهة الرجال , لا نملك القدرة على ذلك , نحن تحت رحمتهم , اسأل الاموات السماح , فهم لا يقهرون الا من الأرض , أنا اطيع من يحكم لانني مجبرة على ذلك , ليس من الحكمة ان نقوم بعمل غير مجد
- أطيعي أنت من يحكم و اعملي بما يأمر , أنا سأطيع التقاليد , ولذلك سأدفن أخي , وان مت بسببه فماذا يهمني ؟ سأكون مطمئنة بين اولئك الذين يرقدون بسلام , اكون بذلك قد انجرت عملا مقدساً , لا يهمني ان ارضي من هم فوق الارض , بل الذين هم تحتها , هناك سأرقد الى الابد , تابعي حياتك انت و تحملي العار
- هذا تهور ! العار شيء مرير , و ملح العيون ينضب , ان الدموع لا تسيل من العيون على الدوام , ضربة الفارس تنهي حياة غالية , لكنها تبقي الم الجرح ساريا في عروق الاحياء , الاحياء يصرخون ويئنون من الالم , و مع ذلك يسمعون في عويلهم ضجيج اجنحة الطيور , و يرون في دموعهم المداميك العتيقة و السطوح الأليفة
مقتطفات من مسرحية آنتيجون للكاتب برتولد ريشت
----------------
هناك اشياء كثيرة خارقة , ولكن ما من خارقة تتعدى الانسان نفسه , يبني البيوت التي تقيه شر الطبيعة , يصنع السفن يمخر بها الانهار و البحار , يحرث الارض , يزرعها و يستنفد خصوبتها على مر السنين , يمسك الطيور ويقتات بها , ويصطاد الوحوش وينصب الشباك في الاعماق المالحة للبحار , يتحكم بالوديان و الجبال , يكتسب اللغة , يبتكر الافكار ويسن القوانين التي تسير الدول , تعلم اشياء كثيرة و لكنه لم يلم الا بالقليل , والانسان بلا عدو يصبح عدو نفسه , تراه مثلما يعامل الثور يجبر امثاله البشر على حني رقابهم , و تحمل ثقل النير , فيثور هؤلاء و يمزقون احشاءه , ان علت هامته فلا يكون ذلك , الا بعد ان يدوس الناس تحت قدميه , يعجز على تحصيل قوته بمفرده , و على رغم ذلك تراه يحصن بيته بالجدران العالية , فيأتي الاخرون ويقوضونها , الانسان يمتاز بأشياء كثيرة لا يعيرها اهتمامه , فتنقلب عليه اقربها الى وحش ينهشه !
----------------
أعصي قوانينك , لأنها قوانينك أنت , قوانين فان , انا فانية مثلك و قادرة على خرقها , الان انتظر مصيري , ولا شيء يعذبني , ولا يهمني ان مت قبل ان تأتي ساعتي , فالموت أفضل من الحياة الشقية التي يعيشها الناس هنا , ان كنت تعتقد أني لا اخاف الالهة و اخافك انت , فلا شك انك فقدت صوابك
----------------
- الحكام امثالك يثيرون على الدوام مخاوف التفكك و سيادة الغرباء , فيتبعهم الناس و يحملون اليهم الضحايا كالقرابين , وفي الطريق تنهار مدينتهم و تقع في براثن الغرباء الحقيقيين
- انا من يسلم المدينة الى الغرباء ؟ انا الحاكم ؟
- بل هي تسلم نفسها لهم , من يحني رقبته لأمثالك لا يعود بإمكانه ان يرى غير الدمار و الدماء , في نهاية المطاف يسقط على ارض الدمار و الدماء التي يدافع عنها
- اشتمي الارض , اشتمي الوطن ! هذا ما ترمين إليه !
- دمار و دماء , هذه هي ارضك , الوطن ليس المكان الذي تهدر فيه الدماء من اجلك , الوطن ليس بيوتا تحصنها بدماء اهله , تنتظر ألسنة اللهبة ولا مكانا تنحني فيه الرقاب , لا ليس هذا ما يسميه الانسان بيتا
----------------------
يكفي القليل ليبلغ البؤس مداه , لا تستنفد اغراق الناس في البؤس فيقصر عمر سباتهم , زمن الضيق الاعمى يعجل صحوتهم
----------------------
أفضل ان تتخلى عن الاعتقاد انك على حق ولا احد سواك , ما من انسان ظن انه من نطفة تمتاز عن غيرها , وانه يملك فكرا ولغة تصنفانه على حساب الاخرين , استطاع ان يخفي طويلا الفراغ الذي في داخله , عندما يضرب الاعصار فان الاشجار التي تنحني امامه تستعيد اخضرارها عندما تعود الشمس , اما التي تقاوم منها فتختفي عن وجه الارض , وعندما تحرك الرياح مياه البحر يرفع ربان السفينة الصواري و ان لم يفعل قاد السفينة الى هلاكها
---------------------
- أعلم ان الخوف الذي يهدد الناس زمن السلم ما زال على حاله , على الرغم من العصبية التي تشحن نفوسهم زمن الحرب
- الحرب انتهت شكراً على المحاضرة
- ولكن ما يخشاه الناس و اهل المدينة ان تحول انتصارك الى الداخل , في عملية تصفية دموية تطال كل من خالفك الرأي من قبل !
---------------------
عندما تسوء الامور تبرز الحاجة الى رجل قوي , يأتي و تأتي معه الكارثة , يصعب معه ايقاف الحرب حتى تمرغ أنفه , النهب يجر النهب و القسوة تجر القسوة و الابادة تجر الابادة , وفي النهاية لا تبقي الحرب في المدينة على شيء , هذا ما جرى بالامس و يجري اليوم و سيجري غداً
----------------------
التشبث بشرع ضد شرع آخر و اكراه الناس على قبوله يقودنا إلى الهاوية