اختيار الكتاب المثالى لتحسين الحالة المزاجية ليست مهمة سهلة،لكننى أفلحت اليوم فى اختيار كتاب أدخل السكينة والطمأنينة إلى قلبى،وكان هذا الكتاب "حديقة النبى هو رفيقى فى نزهة شم النسيم.
هو عبارة عن ثلاث كتب فى كتب واحد إذا صح التعبير، الأول هو مقدمة كتبها الرائع د ثروت عكاشة،الثانى هو الترجمة العربية التى عمل عليها دثروت والثالث هو النص الانجليزى الأصلى لجبران خليل جبران.
أما الكتابان الأول والثانى فقد قرأتهما وأنا جالسة على طلل جدار فى ظل شجرة توت وارفة مثمرة،وأما الثالث قرأته فى المنزل
فى البداية مقدمة ثروت عكاشة فى أربعٍ وأربعين صفحة تكلم فيها عن تاريخ الحديقة عبر الزمان والمكان والثقافات المختلفة،فى الأدب فى الموسيقى وفى الحياة أيضًا،ورغم متعة القراءة إلا أننى تساءلت :ما علاقة ذلك بحديقة جبران؟
وجاءنى الجواب كالتالى:
"ومذهب الأدباء حين يتحدثون عن الحدائق فى أدبهم يكاد ينقسم فى رأينا قسمين: قسم منهم ديني النزعة وقسم آخر دنيوي النزعة.فمن هؤلاء الذين يتصفون بدينية النزعة وعرضوا للحدائق فى أدبهم أديبنا العملاق أبوالعلاء المعري.وفى الغرب من هؤلاء أيضًا دانتي،....أما عن أولئك الأدباء الذين تمثلوا الحدائق عن نزعة دنيوية فمن أبرزهم أديبنا الشرقى المعروف الذى نعرض له الآن وهو جبران خليل جبران."
وقال أيضًا:"ترى ، هل كان جبران يرد على ألفريد دفينى الذى ندد بالطبيعة خلال القرن التاسع عشر،....أم كان يسخر من المدرسة البرناسية وزعيمها الكونت دوليل ،والمدرسةالواقعية الشكلية وما كانت تنادي به من وجوب اتجاه الأدب إلى وصف الواقع كما هو؟أم أنه أراد أن يقفنا على جحود هؤلاء وأولئك جميعًاحينما أخذوا يصورون لأنفسهم أنهم يستطيعون أن يستقلوا عن الطبيعة،وبالتالى أن يترفعوا عنها ،بل ويتجرأوا عليها،فينسبوا إليها الجمود،ويصفوها بالقبح،ويصموها بالقصور"
وكل هذه الحركات والاتجاهات تعرض لها فى الصفحات السابقة.
وكان الجزء الثانى من الكتاب:الترجمة البارعة لثروت عكاشة والتى لا تجعلك تشعر أبدًا أنك تقرأ نصًا مترجمًا،وعل السبب فى هذا أيضًا عروبة الكاتب الأصلى للكتاب حتىوإن صاغ أفكاره بالانجليزية فى الأساس.
وهنا لاأعرف كم صفحة طويتها من الاقتباسات ،لكن بلا شك أن الكتاب انتفخ الآن!
وجبران صاغ فكرته ولاأعرف صحة زعمى هذا،فكان المسيح عاد غلى الأرض وتكلم مع حوارييه،فكانت تلك الحوارات هى ما كتب جبران،وأحيانًا أخرى أحسستها أشبه بمحاوارات سقراط،ولا يمكننى الجزم نا لأننى لم أقرأ أى من الاثنين بعد!
ولكن هذه بعض الاقتباسات التى قد توضح الأمر:
"وتكلم سركيس،ذلك الذى كان يطوف به طائف من الشك فقال:وما قولك فى القبح أيها المعلم،فإنك لم تعرض له قط فى حديثك؟
فأجابه المصطفى وفى كلماته لذع السياط:من ذاالذى يستطيع أن يصمك بالبخل يا صاحبي،إذغ مر أحد بداركولم يطرق عليك بابك؟
ومن ذا الذى يستطيع أن يرميك بالصمم والإدبار عن الناس، وقد تحدث إليك بلغة غريبة لا تفهمها؟
أوليس هذا الذي لم تسع يومًا إليه ،ولم ترغب يومًا في تعمق أسراره ،هو الذي تسميه بالقبح؟
فإذا كان القبح شيئًا ،فليس هو فى الحق إلا الغشاوة تغشي عينيك،والصملاخ يسد أذنيك
وحذار أن ترمي شيئًا بالقبح يا صاحبي، فما القبح حقًا إلا الخشية تعترى النفس حين تحضرها الذكريات"
وحتى أنه يجيب على هواجسنا اليومية المعتادة فسئل:
"وقال:لشد ما أخشى الزمن أيها المعلم،فهو يمر بنا ويطوي شبابنا،فماذا يمنحنا عوضًا عن ذلك؟
فأجاب المصطفى/اقبض الآن من هذا الثرى الطيب.ألست تجد فيها بذرة وربما دودة؟لو أن راحتك من السعة وقوة الاحتمال بمكان، فلربما تغدو فيها البذرة غابة،ولربما تصبح الدودة كوكبة من الملائكة.ألا لا يغيبن عنك أن السنين التى تجعل من البذور غابات،وتحيل الدود إلى ملائكة هى بنت هذه اللحظة.والسنون كلها هى هذه اللحظة...اللحظة ذاتها.
وماذا تكون فصول السنين غير أفكار لك تتغير؟ ما الربيع إلا يقظة تشرق فىصدرك،وما الصيف غير شاهد على ما فيك من خصب.ثم أليس الخريف هو القديم فيك يغني مهدهدًا ما لا يزال طفلًا فى صميم كيانك؟وهل الشتاء لعمرك إلا إغفاءة حبلى بالأحلام،ترى فيها سائر الفصول الأخرى"
وإجابته أيضًا على سؤال"الطفيليات" وملخصه أننا كلنا طفيليات..وتعليقه على ردة فعل فاردوس الرومى حين تعثر بحجر-وهو هنا يرد بما يوافق ما أؤمن به من أن الأشياء تحس-.
وحين سئل عن الله،وأن كان رده هنا موحدًا تمامًا إلا أنه لا يخلو من شبهة الحلولية ،ولا بأس!
لكن موقفه من الشاب الذى استأذنه فى الذهاب للسوق ليرهن ملبسه بآخر جديد قائلًا:"لا يعيش فى النور إلا العريان،ولا يمتطى الريح إلا الغر الساذج،ومن يضل طريقه ألف مرة ينعم وحده بالعودة للديار"
لم يعجبنى ببساطة!
وأجاب عن السؤال الصعب الذى أطرحه ويطرحه كل منا على ذاته:"وبعد برهة سأله حوارى وقال:حدثنا عن الوجود أيها المعلم ،وما كنه الوجود؟
ونظر إليه المصطفى مليا وفاض قلبه بحبه.ثم نهض وسار بعيدًا عنهم،وعندما عاد،قال:فى هذه الحديقة يرقد أبى وترقد أمى وقد وسدتهماالثرى أيدى الأحياء.وفى هذه الحديقة تغيب بذور السنة الماضية،حملتها إلى هنا أجنحة الريح.ولسوف يرقد فى الثرى ألف مرة جثمان أبى وجثمان أمى،وألف مرة ستوارى الريح البذور،ولسوفنقبل معًا بعد ألف عام،أنا وأنتم هذه الزهرات ،إلى هذه الحديقة كما هى حالنا الآن فيتحقق وجودنا،وسنكون من عشاق الحياة ،وسنكون من الحالمين بالفضاء،وسنكون من الصاعدين صوب الشمس.
غير أن اليوم كى نبقى ،لابد أن نكون حكماء دون أن نزور عن الحمقى،وأن نكون أقوياء دون أن نعصف بالضعفاء،وأن نلعب مع الأطفال الصغار فلانشعرهم بأننا آباء،بل نلعب معهم كما يلعب الرفقاء،يودون أن يتعلموا ألعابهم.
عليكم أن تكونوا بسطاء فى غير خبث مع المسنين من الرجال والمسنات من النساء،وتجلسوا معهم فى ظل السنديانة العتيقة ،وإن كنتم لاتزالون فى ريق العمر وربيع الحياة.
عليكم أن تسعوا إلى الشاعر ولو كان يقي وراء الأنهار السبعة،وأن تبدوا الطمأنينة فى حضرته،لاتطلبوا حاجة،وتظهروا شكًا ،ولا يطوف بشفاهكم ظل لسؤال.
واعلموا أن القديس والآثم توأمان ،أبوهما ملكنا الرحيم،وأن أحدهما قد ولد قبل أخيه بلحظة ،فجعلنا له وليًا.
هيموا وراء الجمال واتبعوه وان قادكم الى شفا الهاوية .أجل،اتبعوه وإن كان ذا جناح وأنتم لاجناح لكم،اتبعوه وان انتهى بكم الى الهاوية.اتبعوه فإن افتقدتم الجمال،افتقدتم كل شئ...."
وبالطبع لم يحتمل حواريوه ثقل رسالته وكلماته ولم يفهموا كثيرًا منها فتركوه وحيدًاحزينًا حتى جاءته كريمة بهم أجمعين وحينها نصحهم بما يجب أن يفعلوه فى حياتهم مع البشر المختلفين وذلك بعد أن أخبرهم بوجوب مفارقتهم،ونصائحه تلك من الدرر بالفعل،وهى تطول لصفحات يصعب اقتباسها هنا.
وبعد أن تركهم ناجى غمامة فى السماء وكانت مناجاته تلك لاغبار عليها وهنا أقتبس جزءًا من النص الأصلى لجبران وترجمته لتدركوا عبقرية النصين قال:
"O Mist, my sister, white breath not yet held in a mould,
I return to you, a breath white and voicless,
A word not yet uttered.
O Mist, my winged sister mist, we are together now,
and together we shall till life's second day,
whose dawn shall lay you, dewdrops in a garden,
and me a babe upon the breast of a woman,
and we shall remember."
والترجمة تقول:
"إيه أيتها الغمامة،يا أخت روحي ،ما أنت إلاأنفاس ناصعة لم تستقر بعد على حال.
إنى أعود إليك،أنفاسًا ناصعة بلا صوت،
بل كلمة مكنونة لم ينطق بها لسان.
إيه أيتها الغمامة،يا أخت روحى ذات الجناح،لقد اجتمع شملنا الآن.
ولن يفرق شملنا أحد حتى يوم آخر يكون للحياة،
حين ينثرك فجره على مهاد الحديقة قطرات من الندى.
وحين يطرحنى رضيعًا على صدر امرأة،
فنكون من الذاكرين."
وهنا لايمكننى إلا اقتباس قول درويش:
"صوفيَّةٌ مفرداتي . وحسِّيَّةٌ رغباتي
ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ
إذا التقتِ الاثنتان ِ :
أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ"
شئ أخير ربما استلهم جبران مادة هذا الكتاب من زيارة له لموطنه لبنان وهذا منى مجرد التخمين،ففى جزئه الأوللو صح القول "النبى" كان يحاور ويعظ أهالى أورفاليس،والتى يمكننا اعتباره أمريكا حيث هاجر،وحديقة النبى تمثل عودته لموطنه،ولا أعرف حقيقة ذلك بعد،لكن فى بداية الكتاب ساله أهل موطنه عن أورفاليس ،فكان جوابه موجعًا وينطبق تمامًا على وطننا العربى فقال:
يا صحابي ويا رفاق الطريق.ما أولاكم أن ترثوا لأمة زاخرة النفوس بالمعتقدات خاويتها من الايمان.
وما أولاكم أن ترثوا لأمة تهتف للباغي هتافها للبطل،ويبهرها الغازى فتعده الوهاب الجواد.
وما أولاكم أن ترثوا لأمة تستنكف اصطخاب العاطفة فى أحلامها وتستسلم لها فى يقظتها.
وما أولاكم أن ترثوا لأمة لا ترفع صوتها إلا حين تشيع ميتًا ،ولا تتفاخر إلا بأطلالهاولا تثور إلا عندما ترى رقابها بين السيف والنطع.
وهنالك سؤال وجيه لماذا حرص جبران حتى فى نصه الانجليزى على أن يقول
:"Almustafa" لوصف بطله طوال الكتاب ولم يترجمها؟صحيح أنه كرر ذلك مع كريمة ،ولكن الأمر مختلف!لأنه قال فى البداية :"Almustafa the chosen and the beloved,...."
ونهاية كانت قراءة هذا الكتاب متعة حقيقية لم يشبها سوى تلك البقع الداكنة على حواف وفى صفحة بعينها إثر تناول بعض حبات التوت،وعلّها تذكرنى بقراءتى الأولى والتى ربما لن تكون الأخيرة.