رحلة يوسف - سامح فايز
عندما يرحل إبنك أمامك
_________________________
"لكن منذ متى يحدد المال حيوات الناس؟ نحن من نصنعها ليس هو!"
لطالما كانت أكثر التجارب المزعحة في حياتي خلال عملي كممارس طبي وفي قسم العناية المكثفة خصوصاً هو رحيل أحد أفراد أسرة , فالموت في حد ذاته مؤلم مفجع فذلك الشخص الذذي كان حياً يتنفس ويتحدث أمامك منذ قليل انتقل إلى عالم لا تعلم عنه شيئاً همد واختفت معه كل ملامح الحياة , ذلك الخط الفاصل والثواني القليلة بينهما لطالما تركت في نفسي وقعاً عظيماً , لكن أكثر ما كان يحززني أمام جبروت الموت الطاغي هو عجزنا عن تقديم شيء لذلك الشخص لا أقصد هنا العجز الطبي أمام حالة ميؤوسة العلاج , بل العجز الإنساني الناتج عن فشل إداري يجعلك تقف عاجزاً أمام تفديم تدخل ينقذ حياة هذا الشخص , لا لصغوبة مرضه بل لفساد مسؤول وفشل دولة في تقديم رعاية صحية إنسانية لمن يفترض أن يسمى مواطناً
"أنا مش شحات، عاملوني كبني آدم!"
في هذه السيرة المؤلمة يحكي الكاتب الصحفي سامح فايز عن قصة علاج إبنه الذي ولد بعيب خلقي لا يسمح بتفريغ المياه من الرأس أو ما يعرف ب "الاستسقاء الدماغي" حيث تتجمع المياه فتضغط على الدماغ وتسبب له ولبقية الأغضاء بالضرورة الضرر , وهو أمر قابل للعلاج في حال اكتشاف العلل مبكراً وإجراء التدخل الجراحي المناسب سريعاً , لكن هذا ما لم يحدث طبعاً ليوسف طبعاً ولم ولن يحدث للكثير من الأطفال الذين كانت كل جريرتهم انهم ولدوا للأسف في بقع جغرافية تضم أنظمة صحية مهترئة
ورقة التصريح بالدفن احتاجت أقل من ثلاث دقائق لإنهائها، حتى إن الموظفة قالت: "ادفنوه عادي، في الموت مش لازم ورقة"!
يتحدث سامح عن قصة يوسف التي استمرت لنحو بضع وخمسين يوماً فشل فيها الأطباء عن اكتشاف العلة في البداية ثم فشلهم في علاجها ثم حاجته إلى دفع كل ما يملك وأكثر لعلاج ابنه وهو الأمر الذي لم يعد ممكناً أصلا بعد ضياع الكثير من الوقت , يحكي سامح قصة يوسف والكثير من أمثاله وعن مواقف واجهها في مستشفيات مصر المختلفة ليقرر بعد وفاة ابنه ان يزور الكثير من المحافظات ويقص قصة المأساة التي يعيشها المرضى هناك وصولاً إلى أماكن لا يوجد فيها طبيب حتى ولو كان طبيباً تحت الامتياز
تعلمنا بعد رحلة العلاج مع أبي أن دفع ثمن تذكرة في العيادة الخاصة للطبيب المعالج، التي يذهب إليها بعد الانتهاء من عمله بالمستشفى الحكومي، يكفل للمريض قدرًا من الاهتمام أكبر مما يحظى به المرضى في المستشفى الحكومي.
الكتاب ماهو سوى خواطر ولا يقدم حلولاً بل يحكي قصة ألم أب على فقد ابنه ويسوق مغها الكثير من المواقف المؤلمة التي مرت عليه وقد لا يضيف للبعض الكثير خصوصاً إذا كان مسؤولاً صحياً فمن لم يتأثر بمشاهد المرضى لن يتأثر بكتاب أو قصة لطفل قد رحل لكنه قد يكون تذكيراً لبعض الشباب الناشيء اليوم ممن اختاروا دراسة مجالات طبية مختلفة أن يخافوا الله في هؤلاء المرضى ويقدموا لهم ما يستطيعون خصوصاً أن الوضع في بلدي السودان ليس بأفضل منه في مصر او غيرها من بلداننا العربية لعل وعسى
"فبعد أن كنت أهرب من موتك بكتاب عنك يُخلدك أصبحت أهرب من موت كل هؤلاء الذين لا يجدون مَن يُخلدهم بآلاف الكتب التي تحمل أسماءهم."