يعتبر سعيد حورانيّة (1927_1994) واحداً من أهم المؤسّسين المبدعين، السوريين والعرب، لفن القصّة القصيرة. يقول محمد كامل الخطيب في مقدّمة الكتاب: إلى جانب عمليّة الترميز في القصص، قدّم سعيد حورانيّة قصصاً تكمن قوّتها في مباشرتها وشدّة ملاصقتها للواقع، حتّى أنّ القارئ لايستطيع التمييز أحياناً: هل الواقع فن، أم الفن واقع؟ هل مايقرأ هو قصّة ذكيّة، أم هي ((عريظة استرحام)) يرفعها فلّاحو قرية مضطهدة؟ إنّ ارتفاع قيمة عملية الترميز وارتفاع قيمة عمليّة ((ملاصقة الواقع بدون رمز)) في عالم سعيد حورانية القصصي يثبت حقيقة أدبية وهي أنّ الشكل بذاته لايعني _دائماً_ الكثير، كما لايعني ((المضمون)) بحدّ ذاته الكثير. تثديراً لفن القصّة القصيرة في سوريا، وقديراً لأحد روّاده، في ذكرى وفاته العاشرة، تقدّم وزارة الثقافة الأعمال القصصيّة الكاملة لسعيد حورانية: وفي الناس المسرّة 1952. سنتان وتحترق الغابة 1964. شتاء قاسٍ آخر 1964. إضافةً إلى حوارٍ مهمٍّ يقدّم فيه شسعيد حورانية نفسه خير تقديم، ضمن مشروع وزارة الثقافة لإعادة نشر الأعمال الكاملة للكتّاب السوريين المؤسسين، أو مختارات من أعمالهم.
أنهيت الأعمال القصصية الكاملة لعمي الكاتب سعيد حورانية. كانت قراءته تجربة غنية وجديدة بالنسبة لي .. للمرة الأولى تأخذ الكلمات عبق الخبز ورائحة العرق والدم والتبغ المتسرب من صدور هرمة مهترئة صدئة .. أخذت الكلمات في عالمي طابعاً ذهنياً فلسفياً تارةً ، وأدبياً ذاتياً تارةً أخرى .. أما الواقعية وطعمها المر في الفم فكانت جديدةً على جهازي الهضمي للغة .. ذهبتُ مع عمي بنزهةٍ إلى الريف والقرى والمدن المنسية بظل زحام العاصمة التي نشأتُ في شوارعها والتي لم أخرج منها ولم تخرج مني إلا إلى مدنيةٍ أكثر ظهوراً ورفاهية .. أخرجني عمي سعيد وأخرج وعيي المديني خارج المدينة .. أدخلني لمخافر الشرطة في البلدات المنسية والقرى النائية .. زجّ بي في المعتقلات ، حيث يأخذ السجن شكل اعتقالٍ سياسي ، أو بيت طبقي تعامل بداخله الخادمة أو الزوجة كما تعامل البهيمة .. أطفأتُ معزوفاتي الكلاسيكية ورقصتُ على أهازيج القرويين والبدو .. صرتُ واحداً منهم .. يعبق نصه بماء الورد والنارنج والليمون الدمشقي .. ثم يصفُ قرويةً تعمل ليل نهار لتطعم أهلها ..
في أدب سعيد حورانية ، أنت تقرأ الكلمةَ خارجةً من فم صبيّ القهوة وعتالٍ يعمل لدى أسرته .. تسمع أنين العامل وتتألم لألمه .. لم أرَ تجسيداً لكل شرائح المجتمع كما رأيتُهُ والتحمت معه في أدب سعيد حورانية .. يقصّ عن أرستقراطي ، ثم يحاور على لسان فلاح .. يروي قصة معتقل ، ثمّ يصف جحيم مثقفٍ تائهٍ بين تعاريفه ومعتقداته ..
تشابيهه غاية في الفرادة والغرابة .. لا يستخدم المبتذل والمطروق من التشابيه .. يستخدم تشابيه تذهلك ..
أذهلتني في قصصه الروح الوطنية العالية ومجابهة قوى الظلم والظلام بالغضب والثورة والقلم .. كتب عن الفساد والمعتقل والديكتاتورية بعنفوان الشباب وروح الثائر التي لا تعرف الخوف .. كان وثلة من مثقفي سوريا هم الأمل بمستقبل البلد .. واليوم لا يعرف جيلنا اسماً من أسمائهم ، ولا نرى أسماء أدبية جديدة تحمل رايتهم ..
تجربة واقعية غنية ، أراها مؤسسة لواقعية جديدة تخرجنا من الأدب الذهني والذاتي الذي غرقنا ببحره ، وهو التيار الذي أكتب ضمن سلكه شخصياً ، والذي صرتُ أراهُ جرماً أمام بكاء الجوعى وعرق العمال ودماء المناضلين والشهداء .. صرتُ أرى أدبي جرماً على الرغم من كونه فضيلة ..
أرجو وأحلم بإعادة إحياء أدب عمي وإحياء أسماء الكثير من النجوم اللامعة في سماء الأدب السوري والعربي .. وهو هدف وحمل شاق آمل امتلاكي القدرة على حمله وإيصاله لمبتغاه ..
عمي سعيد .. أرجو لو كنتُ قد رأيتكُ وقرأتُ نصوصي في حضرتك .. أعلم أنك كنت ستنهرني على الغرق في الذاتية والذهنية وستحثني على العمل في سلك الواقعية .. أعلم أنك ستقرّعني وتغضب كعادتك ، على الرغم من إعجابك المرجو بنصوصي .. عمي العزيز .. أرجو أن أعيد إحياء سيرتك ونتاجك التأسيسي والفريد .. نتاجك المر لفرط واقعيته .. آمل أن أعيد إحياءك ..
لنا وقفات قادمة مع أدب القامة الراحل ؛ عمي الأديب سعيد حورانية .. كل الحب والتقدير يا عمي ..