ربما انتصرت في الكتاب الى الرؤية التي ترى؛ ان النص النقدي هو نص أبداعي مضاف الى الاجناس الابداعية الاخرى في الشعر والسرد وغيرها، فكيف اذاً يكون النص النقدي ابداعياً؟ لو نظرنا الى جميع الكتابات الابداعية وتسائلنا ماهي الشروط التي ان توفرت فيها، لتدخل تحت يافطة الابداع، لوجدنا ان كل تلك الشروط ربما تنطبق على الكتابة النقدية، فالكتابة النقدية ليست تابعا فقط للنص الابداعي كما هو التصور التقليدي، رغم ايماننا المطلق ان وجوده مرتهن بهذا النص، ولكنه ايضا اعادة بناء له وفق تصورات ورؤى جديدة، ربما تفتح له فضاءات أخرى، فكما ان النص الابداعي هو اعادة بناء او خلق الكون او الحياة او التاريخ، فالنقد ايضا اعادة بناء تلك العوالم ولكن ليس بصورة مباشرة، وانما من خلال النص الذي هو تمثل لها.
وربما أجنح قليلا ان قلت ان العملية النقدية هي أختلاق اخر كما هو العمل الابداعي بصورة عامة، لانه يختلق متنا افتراضياً للنص المنقود، ربما يكون غير متاحاً فعليا داخل حدود النص او سطحه، وانما هو اختلاق الناقد لعلاقات افتراضية تحكم هذا البناء، وهذا ربما ما يتيح له فسحة من الابداع، والخروج عن الاطر التقليدية التي تتعامل مع سطح النص وعلاقاته المباشرة، وهذا برأيي لا يعد مسوغا بصورة تامة للخروج على المنهجية النقدية، والتي قد تفسح المجال للعاطلين ابداعياً ان يقتحموا مجال النقد الابداعي، برؤى غريبة ولغة ضعيفة وعدة اصطلاحية ركيكة، وانما ما اقصده هو فتح الحدود بين المناهج النقدية، واعطاء فرصة لشخصية الناقد وأراءه في الظهور بعيدا عن الحدود المقدسة التي ربما تفرضها تلك المناهج، اي عدم التطرف في التمسك بها، او التطرف في رفضها.
واجد ايضا ان احد المسوغات التي يمكنني ان اسوقها على ان العملية النقدية هي عملية ابداعية، هي النظر اليها باعتبارها عملية بناء وجهة نظر تجاه العالم من خلال النص، الذي هو احد تجليات او تمثلات هذا العالم، وكما يفعل النص الابداعي الذي هو اعادة خلق للعالم والتاريخ والوجود ابداعيا، يقوم النص النقدي او القراءة النقدية باعادة خلق نفس هذه الكينونات ولكن ليس بصورة مباشرة، وانما من خلال صورتها المتشظية داخل النص الابداعي، والتي ربما تعطيني سببا ان ادعو هذه العملية رغم صبغتها العلمية بانها عملية خلق ابداعية لوجهة نظرنا تجاه هذا العالم.